العلاقة بين التصور والواقع لا يمكن أن تتم إلا من خلال الممارسة. والأحكام تكون نتيجة التصورات التي قادت إليها، لكن مع الممارسة الفعلية فإن التصورات تعود لتتشكل بشكل آخر وتصور آخر. الواقع دائما ما يكون مختلفا إلى حد ما عن التصورات التي يحملها الأشخاص لموضوع ما. هذه العلاقة بين التصور والواقع هي أحد أهم إشكاليات الممارسة لفعل من الأفعال، وحينما تكون الممارسة أكثر فاعلية، فإن التصورات تتخلّق من خلال تلك الممارسة. قد تغلب التصورات أحيانا عن الواقع لكن مع مرور الوقت فإن التغير والتغيير هما سيدا الموقف، لأن الإشكاليات دائما ما تنتج من خلال الفعل نفسه، أما حينما لا يتم أي عمل تجاه ما يراد العمل عليه فإن التصورات سوف تبقى كما هي سواء كانت تصورات إيجابية أم سلبية.

والوعي بالشيء هو نوع من الوعي بالممارسة وإشكالياتها. الممارسة هنا بحكم نوعية التصور المسبق تخلق أزمات عديدة ليس أقلها تغير المفاهيم التي كانت من قبل. والوعي هنا هو الوعي بهذا التغير. لا شيء يبقى كما هو. هذه هي القاعدة التي تتحرك بها الأشياء، بل إن المفاهيم نفسها تتحرك بنفس الإشكالية، المفهوم من خلال الممارسة يتحول مع الوقت ويصبح مفهوماً إما شمولياً أو مفهوماً محدداً بجهة ما أو رؤية ما. الوعي بهذا التغير هو الوعي الحقيقي وكلما مارسنا عملاً ما فإن وعينا يتشكل أكثر من ذي قبل وتصبح تصوراتنا أكثر دقة.

الوعي بدأ يتشكل شيئاً فشيئاً في المجتمعات. هذا ناتج عن تغير في الرؤية تجاه ما هو محيط في الحياة. تغير الرؤية لم يكن يأتي إلا من خلال الكثير من العمل من خلال ممارسة الخطأ والصواب. والوعي دائما ما يجنح إلى تحقيق المزيد من المصلحة الذاتية للإنسان، أعني أن الإنسان مشدود إلى ما هو نافع لحياته دون اعتبارات المفاهيم الكبرى. المفاهيم الكبرى إذا لم تنزل إلى مستوى الممارسة فإنها تبقى أقرب إلى الرؤية الهلامية. المفاهيم كانت في فترة من الفترات وفق تصورات تشكلت من خلال عمل من الأعمال، ولأن الواقع دائم التغير فإنه من الطبيعي أن تتغير المفاهيم. هذا لن يكون ما لم يكن هناك نوع من الرؤية الواعية لتغير الواقع. قد تكون هناك الكثير من الممارسة غير الواعية داخل طيات الوعي نفسه لكن مع استمرارية المحاولة المتأرجحة بين الخطأ والصواب سوف يتحول ذلك اللاوعي إلى وعي عام. لم تصل المجتمعات المتقدمة إلى ما وصلت إليه إلا بعد أخطاء عديدة ارتكبت حتى بحق تلك المفاهيم الكبرى لكن الوعي كفيل بتصحيح المسارات.

صدمة الواقع دائما ما حركت الوعي وغيرت التصورات. الشباب الذين كان لهم موقف مخالف من الغرب مثلا وارتحلوا هناك للدراسة تحولت التصورات لديهم إلى إيجابية، فالتصورات السلبية السابقة مع صدمة الوقع تحولت إلى تصور آخر مخالف لما كان عليه بحيث أصبح الغرب ليس شرا كله كما كان يتصور. في المقابل من ينظر إلى الغرب بإيجابية مفرطة ربما مع الممارسة اليومية تتحول هذه الإيجابية إلى سلبية بحكم تصور جديد تشكل مع الاحتكاك بالواقع، فالغرب هنا ليس خيرا كله؛ فشرانية الغرب وخيريته هما الواقع، في حين كانت الخيرية المفرطة تجاه الغرب، أو الشرانية المفرطة أيضا، هما التصوران المسبقان وفي كلتا الحالتين يتشكل الوعي بشكل مختلف بحيث تصبح المفاهيم المحمولة أكثر تحديدا، وإطلاق الأحكام الجديدة بسلبيتها أو إيجابيتها هو بسبب التصورات الجديدة والوعي الجديد.

الإشكالية هنا أن الوعي الشعبي كان دائما ما يسبق التصحيح. الوعي الشعبي كان يقبل الكثير من الأشياء التي لا يتم الاحتفاء بها في المؤسسات الحكومية إلا متأخرا وغالبا ما يأتي بعد أن يتم تجاوزها فتسعى تلك المؤسسات إلى تصحيح مسارها. الوعي الشبابي بالتقنية مثلا لا يصاحبه أي وعي على المستوى المؤسساتي الحكومي فالتعليم مثلا مازال لا يستطيع اللحاق بهذه التقنية، والطلاب استطاعوا تجاوز الكتب المدرسية بمراحل، فأصبح التعليم تقليديا كل مرة حتى مع محاولات النهوض أكثر من مرة.

انتخابات المجالس البلدية في كل المناطق السعودية أحد أهم الأمور التي يتشكل الوعي الشعبي تجاهها، فالممارسة السابقة منحت فرصة النقد تجاه الممارسات السابقة لعمليات الانتخاب. كانت الانتخابات قبل حوالي السنوات الست مهمة جدا في وجودها ممارسة على أرض الواقع بعد ما تأخرت كثيرا. التصورات السابقة للمجالس البلدية أنها أقرب إلى انتصار فرق على فرق، أو تيارات على تيارات منافسة، أو قبائل وعشائر على قبائل وعشائر أخرى. الوعي الشعبي الذي يتشكل وإن كان بشكل بسيط، بدأ يأخذ منحى آخر، بحيث أصبحت المسألة ليست فيمن يفوز بقدر ما هي صلاحيات هذا الفائز يمكن له من خلالها أن يحقق شيئا فعليا على أرض الواقع. بعض الذين انتخبوا وفازوا في الانتخابات السابقة صرحوا في بعض الصحف عن عدم رغبتهم في الترشيح مرة أخرى لعدم الصلاحيات الممنوحة للفائزين في هذه المجالس. هناك حملة لمقاطعة الانتخابات بسبب أنه مجلس مرشح للنصف فقط دون أن يشمل الترشيح كامل المجلس، ولعدم الصلاحيات الممنوحة لهؤلاء النصف. السبب الثاني هو دعوة بعض المثقفين لمقاطعة الانتخابات لأن المنظمين لها سبق أن أعلنوا في الدورة الأولى للانتخابات البلدية وجود صوت المرأة الشيء الذي غاب في انتخابات هذه السنة وقد خرجت بعض النساء للمطالبة بالترشيح في أكثر من مدينة. في المقابل يدعو بعض الشباب إلى عدم المقاطعة وممارسة العمل الانتخابي، فالتصحيح يأتي مع العمل المستمر حتى بأخطائه فلا شيء يكتمل منذ البدايات، وبعيداً عن الحكم على الموقفين فهما يحملان وجهتي نظر مقبولتين في رأيي سواء في دعوة المقاطعة أو في دعوة الممارسة، إلا أن الموقفين يدلان على الوعي الشعبي المتشكل من خلال ممارسة العمل الانتخابي في الدورة السابقة. انتقل الوعي من أشخاص المرشحين إلى بنية العمل الانتخابي نفسه وهو وعي لم يكن ليتشكل لولا العمل على مبدأ الانتخابات من قبل.

طبعا سوف تكون هناك العديد من الأخطاء في الدورة الحالية، وربما حملت معها بعضاً من مشكلات الدورة السابقة إلا أنها بالتأكيد سوف تكون أفضل من المرة السابقة بحكم العمل الواعي. الممارسة الواعية كفيلة بتصحيح المسارات حتى بأخطائها الفادحة متى ما كانت هناك نية حقيقية في التصحيح، لكن تحتاج مثل هذه الأمور إلى وقت يجعل من القائمين على هذه الانتخابات مضطرين إلى تعديل الكثير من التصورات حول الوعي الشعبي، أي يصبح وعياً بالوعي.