سُئل الشاعر الإسباني العظيم، ذو النزعة الإنسانية العالية، فريدريكو غارييا لوركا، لماذا تتدخل في السياسة؟ فأجاب، أنا أدافع عن ابتسامتي. إذاً فالدفاع عن ابتسامة الإنسان هو من أنبل الغايات التي يصبو إليها النبلاء من ذوي النزعات الإنسانية العالية، ولن يفهمهم ويتجاوب معهم، إلا من يشاركهم هذا النبل ويشاطرهم هذه النزعات الإنسانية العالية. الفن والأدب هما كما وصفهما أرسطو قبل ألفين وخمسمئة سنة، بأنهما محاكاة للحياة، ولكن بشكل أسمى وأرقى منها، أي هما يسموان بالحياة عن طريق خيال المبدعين ويرقيان بها. كما أن الإنسان بطبعه، يحب المحاكاة، ويتلذذ ليس فقط بالاستمتاع بمشاهدته لها أو الاستماع إليها أو قراءتها؛ ولكن أيضاً بمحاكاتها وترديدها بينه وبين نفسه، وحتى بينه وبين المحيطين به.

كم من قصيدة أو أبيات شعر ما نزال نرددها بيننا وبين أنفسنا ونلقيها شعراً على من حولنا؟ وكم من أغنية ما تزال مطبوعة في أذهاننا، تخرج تلقائياً من وجداننا عندما نحن أو نشتاق لمن نحبهم ونتعطش للقياهم، سواء أكانوا بعيدين عنا أم أمامنا؟ وكم من قطعة موسيقية ننام واعين على أنغامها وهي تتدفق كزخات المطر السلسبيل، متسللة لأعماق وجداننا لتمنح الدفء والطمأنينة لدواخلنا، عندما تنهكنا سرعة وزحمة الحياة وجفاؤها؟ كم من رواية قرأناها مرة وثانية وثالثة، وما زلنا نقرؤها، وكل مرة نغوص فيها أكثر، ننهل من لآلئها وجواهرها الإنسانية؟ وننصح غيرنا بقراءتها، والنهل من معينها الإنساني الثمين.

كم من مسرحيات وأفلام أو مسلسلات حاكت وقائعها حياتنا وواقعنا، ولامست أشياء جميلة أو مؤذية أو محرجة، نقترفها بوعي أو لاوعي منا يومياً، ولم نر أنفسنا بتجرد إلا من خلالها؟ فتجعلنا نضحك منا وعلينا، أو نندهش منا لنا، أو نبكي علينا ومنا؛ فالضحك عدا كونه رياضة للقلب، فهو بلا شك تجديد له، وتقويم ذاتي لذواتنا لا يخطئ أو يلتبس، فما يضحكنا فهو مضحك لغيرنا علينا، وعليه فهو مدعاة للضحك، لا غير. وأما ما يبكينا من وقائعها، ويجبرنا على ذرف دموعنا، فما هو إلا رياضة تطهر روحية نغسل من خلالها قلوبنا من أفعالها الآثمة، فلا نعلم كم هي قسوتنا، مؤذية لغيرنا، أو محرجة لهم، إلا عندما يتم تجسيدها أمامنا درامياً، محاكية واقعنا ووقائعنا، حيث لا نشاهد مدى تأثيراتها السيئة على ضحايانا إلا من خلال هذه الأعمال الدرامية الإنسانية البديعة. وهنا تتم لنا عملية غسيل وتطهير، والتوبة من ذنوبنا المقصودة وغير المقصودة، من خلال محاكاة الفن والإبداع لحياتنا، ومحاولة الارتقاء والسمو بها.

والفنون التشكيلية بأنواعها ما هي إلا غذاء وجداني، يغذي المحبة والعشق لواقعنا، حيث يتسلل من خلال أعيننا ليستقر برداً وسلاماً على الروح والوجدان منا، ليبعث فيهما الحياة والفرحة والأمل من جديد، ليتساميا على واقعهما المعاش ويعيدا النظرة كرة أخرى إليه، فيكتشفا ما حباه الله من جمال وروعة لواقعنا، من خلال ما جسدته اللوحات الفنية الإبداعية المحلية، العازفة على تناغم الألوان وتناسق الخطوط والأبعاد وتوازن الأحجام والكتل، كما أبدعتها ريش المبدعين منا، وصاغتها خيالاتهم الملهمة محاكية روعة أكواننا الصغيرة والكبيرة وحسنها وجمالياتها. فنعاود العيش في واقعنا الذي حسبنا أننا مللناه، بعيون جميلة لا ترى إلا الجمال والحسن فيه، فنحبه أكثر، ونشتاق إليه أكثر، ونحن إليه أكثر وأكثر، فتسافر أرواحنا باسمة منا إليه.

وإحياء التراث من إبداع الجدات والأجداد، ما هو إلا تواصل إبداعي وجداني بحد ذاته، بين عطاء وجدان الأمس ومنتج اليوم الوجداني، ليجسر لوجدان أكثر عطاء وحبا وإنسانية في المستقبل. الإبداع الإنساني عبارة عن تراكمات من الإبداعات يضيف بعضها لبعض، ويسمو بعضها على بعض مع الاحتفاظ ببصمتها الإنسانية الخاصة. التواصل مع الماضي التراثي عن وعي، هو انفصال واع عنه، لا من حيث الإنكار وإنما من حيث التجديد والابتكار، والسمو به. فالشعب الذي يهتم بفنونه وتراثه الوطني، ويفتخر بها أمام الآخرين، هو شعب بلا ريب أو شك، وفي لماضيه، وواثق بحاضره ومطمئن لمستقبله، وعليه مدافع عن بسمته.

فالاهتمام بالتراث والفنون والآداب، هو بلا جدال، علامة بلوغ للقمة التي تعلو ما عداها من قمم. فلا يمكن لأي شعب، لم ينجز أولوياته من صحة وتعليم وأمن واستقرار وتشييد لبنيته التحتية، بأن يهتم بتراثه، بالشكل المطلوب؛ حيث هنالك أولويات حياتية ماسة تنتظر منه تنفيذها. لا يهتم بإحياء التراث، إلا أصحاب الهمم الحية، التي أتت بعد إكمال ما سبقها من أولويات حياتية، وتستعد لبناء ثقافتها على أسس متينة وثابتة، ولذلك فليس من المصادفة أن يطلق الحرس الوطني على الفعاليات الثقافية والتراثية والفنية التي يرعاها، المهرجان الوطني للتراث والثقافة، التي يعقدها سنوياً في قرية الجنادرية بمدينة الرياض.

مهرجان الجنادرية من المواسم النادرة التي نحصد بها ومنها الابتسامات تلو الابتسامات، ونتبادلها مع زوجاتنا وأطفالنا ونحن نتجول في رحابها الفنية والثقافية والتراثية البديعة. والجميع ينتظرون موسم الجنادرية على أحر من الجمر، كما ينتظرون موسم الربيع، فهو وبحق ربيع للروح وغذاء للوجدان أصبحنا لا نشبع منه ولا نستغني عنه، ولا ننشد له بديلاً. هنالك أصوات لا تفقه من الإنسانية ولا اسمها شيئاً، بدأت تخرج من هنا ومن هناك، تطالب بوقف مهرجان الجنادرية، أو تحجيمه ليغدو، كما هم يشتهون، بلا روح ولا ابتسامة.

إنهم أشبه ما يكونون بأعداء البسمة، أو أعداء الحياة السوية، أو أعداء للوطنية، أو أعداء لها جميعها؛ مهما حاولوا شرعنة حججهم. فمتى كان الدين يحرم الابتسامة، والابتسامة في وجه أخيك صدقة. ألم يدافع رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن الجاريتين اللتين كانتا تعزفان على الدف وتغنيان، بقوله: دعهما يا أبا بكر، فاليوم عيد. ألم يطل رسول وبرفقته حبيبته وحبيبتنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ليتفرجا على رقص وغناء الأحباش في المسجد النبوي الشريف؟ وألم وألم..؟ وألم، يفهموا بعد بأن شرعنا المطهر، هو الحامي لابتساماتنا؟ فدعونا نبتسم وشأننا، ولكم شأنكم بأن تعبسوا ولا تبتسموا، فكما قال رسول الله، للذي لا يقبل أطفاله: ماذا أفعل لك وقد قد قلبك من حجر. فشكراً لكم أيها الجنادريون فقد حرستم وطننا وحميتم ابتساماتنا.

وشكراً من أعماق أعماقنا للفارس المستنير، صاحب السمو الملكي الفريق أول ركن متعب بن عبدالله بن عبدالعزيز رئيس الحرس الوطني رئيس اللجنة العليا للمهرجان الوطني للتراث والثقافة، الذي جعل من أولوياته، ليس فقط حراسة الوطن والدفاع عنه والذود عن حياضه، وإنما أيضاً حماية ابتساماتنا ورعاية وجداننا، والدفاع عنهما. وليس هذا بغريب على فارسنا المستنير، الذي يحمل السيف بيد والقلم بيده الأخرى، ليحمي بسيفه الوطن ككيان، ويخط بقلمه معالم ثقافتنا الأدبية والفنية والتراثية، ليعزز الوطن كوجدان؛ لننعم بمملكة الإنجاز والإنسانية كياناً ووجداناً. وليس هذا بغريب عليه، فهو ابن مأمون هذا العصر، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، راعي السياسة بحكمته والعلم والثقافة بعلو همته والإنسانية بحسن صنيعه ونبل نيته؛ فهذا الشبل من ذاك الأسد.