وعلى سيرة التتر في نهاية حلقات مسلسل باب الحارة السوري يذكر التاريخ أنه في عام 1920 في 24 مايو منه رفض السوريون أن تحتل فرنسا سوريا بلا قتال في وقت كانوا لا يملكون حتى جيشاً يدافعون به عن وطنهم، فدعا وزير الحربية السوري يوسف العظمة الشباب والشيوخ للقتال دون بلادهم، رافضاً الانصياع لمنطق الجبن والخوف، ليتقدم الجيش الأهلي ويواجه جيشاً نظامياً مسلحاً بالطائرات والدبابات، وليكون الاستشهاد نصراً في معركة الكرامة، ولم تذعن دمشق لمحتلها على الرغم من الفجيعة في رجالها، ففي كل يوم تشرق الشمس فيه على الفيحاء يولد رجل، هكذا يخبر التاريخ؛ لذا أصبح لكل يوم فيه معركة كرامة سورية أخرى.

عبر 26 عاماً رفض السوريون أن تنحني جباههم للطغاة، لتحتفل سوريا بعدها برحيل آخر جندي فرنسي, يمر كل هذا بخاطري وبين يدي رواية "الرحيل للمجهول" للكاتب السوري آرام كرابيت، وفيها يروي ذكرياته راصداً 13 عاماً من عمره مضت بين جدران السجون بلا ذنب اقترفه سوى مجرد وشاية من رجل ربما أراد افتداء نفسه بآرام في لحظة جبن إنساني رفض مثلها آرام وعيناه في عيني سجانه, يذكر آرام حقيقة وهي أن "صناع الموت يحتاجون إلى السرية المطلقة، إلى الصمت المغلف بالغموض؛ لهذا يتبادل هؤلاء الحثالة علاقاتهم بالإشارات السرية التي تعلموها في دهاليزهم المظلمة والأقبية الليلية".

في الواقع لا يجتذبني مطلقاً أدب السجون والمعتقلات؛ وذلك ربما لأنني ظننت دائماً أن الاكتئاب يستجلب الاكتئاب، وتلك الأوراق المكتوبة بدماء المقهورين ستستفز حزني وضعفي فقط، لكن رواية آرام تختلف عن تلك الروايات الواقعية منها والمختلق، إنه ينتقل بك من حقارة وجه سجانه إلى شعر حبيبته الأشقر، ومن ضيق سجنه إلى ذلك البساط الأخضر في قريته، ومن الدماء التي تسيل على وجوه المعتقلين معه إلى نهر الخابور الشاهد الأكبر على حضارات الأمم السابقة من الآراميين والميتانيين والحيثيين والآشوريين والأموريين السريان والكلدان، وعلى ولع آرام به ليقول عنه: "للخابور رائحة مشهية، مميزة، تدفع كل من يشمها للعودة إليه ثانية"، ويعود ليقول "لا أستطيع الانفكاك منه مهما حاولت، أستمد منه الأشياء الجميلة والحلوة، الذاكرة والألق، منعطفات الروح وسراديبها".

هل أراد آرام أن نعرف نحن القراء تلك الروح التي تجمعه بنهر الخابور مانح الخير لأرض عبرها الطيبون والأشرار, الطيبون الذين صنعوا مجد سوريا القديم والحديث، والأشرار الذين سجنوا حتى الأطفال؟ يقول آرام: "كنت مع مجموعة من القادمين. اعتقلوا أطفالاً صغاراً، في الرابعة عشرة أو السابعة عشرة من العمر. أمضوا ستة أعوام أو أكثر فيه. أتذكر الكثير الكثير عنهم. شعرهم أبيض, سمعهم ثقيل, ينفعلون بسرعة، بسبب أو دونه. يتقاتلون ثم يتصالحون"، كل هؤلاء المحكومين بالألم لا يختلفون كثيراً عن أولئك المسجونين في الخارج، يقول: "رصدت قسمات الناس في تلك الآونة، رأيتها غريبة، تنحو نحو الاغتراب. النفوس شاردة، منهكة، متعبة تمشي على غير هدى".

في الرواية، يخرج آرام من السجن ثم يهاجر إلى السويد لكن في الواقع هو كالكثير من السوريين يرغبون في أن تداوي سوريا جراحهم، وأن تفرض الإصلاح الذي يريده شعبها بعيداً عن أي تدخل يفرضه الآخرون عليها.