-1-

مهما حاول البعض التقليل من تحطيم طوطم الإرهاب الأكبر (ابن لادن)، والتقليل من آثار غيابه، وبحث المنظمة الإرهابية الكبرى (القاعدة) الآن عن قائد مصري أو ليبي أو مغربي أو يمني.. الخ. فهذا كله لن يُغني عن أن تحطيم طوطم الإرهاب الأكبر، لم يكن مجرد تحطيم طوطم، بقدر ما أصبح كشفاً كلياً لآليات وتركيب قاعدة الإرهاب. وهو ما سنرى آثاره واضحة في الفترة القادمة التي لن تطول.

-2-

الناقد السوري والباحث نبيل سليمان في عرضه لرواية الروائي السوري حيدر حيدر (مرايا النار 1992)، يقول بشجاعة متناهية، وكأنه يستعرض تصماماً الآن، ما يجري في سوريا. فكتب قبل اندلاع الثورة الشعبية بسبع سنوات:

"على أبواب البيعة، والتتويج، وتجديد الولاية، لربع قرن من السلطة، وتطويب الوطن باسمه، يطلع الدكتاتور قائداً، وأباً، ونبياً، وملهماً، لشعب يقدم له الولاء المطلق. والدكتاتور، يرى نفسه المرسَل المعاصر، لتوحيد القبائل والرواية تصف تسلُّق الدكتاتور، حيث الهستيريا الشعبوية، وانفلات الغرائز، وأصداء الدم الرعوي، تبشر العامة به، وتمجده رسولاً انتدبته العزَّة الإلهية، وألاعيب السحر، وصدى الأجداد، منقذاً، وهادياً، ومباركاً، ونوراً لأمة، اكتنفتها الظلمة، والبغي. وهو الذي سيُطهِّر أرض الآباء والأجداد بالدم من الطاغوت، وقو البغي. والعامة تهتف: بالروح بالدم نفديك يا بطل الشعب، ومنقذ الأمة.

ويبتهل الزاحفون مأخوذين، تحت تأثير إكسير خرافي، رافعين صورة الطوطم، في زمن الغوغاء، والضوضاء، والغيبوبة، والهذيان، والصراع.

إنه زمن الدكتاتور الذي يُفجِّر سؤال الرواية:

هل كان ما جرى في الربع الأخير من القرن العشرين لوحة تاريخية للسقوط البشري، واضطراب الوعي والمستقبل؟ أم إنه انحدار نحو زمن الكهوف والطوطم الأولي؟" (جريدة "الزمان"، 15/7/2003)

ولعل الروائي السوري (حيدر حيدر) قد أرَّخ لنا – روائياً وبإبداع – عهد الدكتاتورية العربية عامة والسورية خاصة، التي كنا نراها ولا نتكلم، ونتألم لها ولا نصرخ، ونهمس بها ولا نتكلم. ولكن جاء وقت الكلام الآن. ويبدو – في هذه الحالة- أننا كنا كما قال الفيلسوف الفرنسي آتيين دي لابويسيه La boétie (1530-1563) في مقالته الشهيرة "العبودية المختارة"، من أن "الخضوع للطغيان لا يعني انعدام إرادة الحرية، بل الإحجام عن دفع ثمنها."

-3-

ارتبط العنف الإرهابي بالدم. فلا إرهاب بدون دماء.

تلك هي آية الإرهاب الكبرى، التي قرأناها، وشاهدنا مآسيها الكثيرة والكبيرة، في بداية هذا القرن، وخلال السنوات العشر الأخيرة. والدم في قاموس العنف الإرهابي، هو حبر كتابة الإرهاب، ونصوصه المختلفة. والدم، هو الذي يرسم به الإرهابيون صورة الطوطم، الذي يقدسونه وينصاعون له انصياع الغنم للراعي. والباحثة والمتخصصة بقضايا التراث الليبي سعاد أحمد أبو برنوسة، اكتشفت الرابطة بين الدم والوشم وصورة الطوطم، لدى القبائل البدائية الليبية، في بحثها (الوشم الليبي منذ أقدم العصور، 2003)، وتقول: "لم يكن الوشم الذي يُعَلِّمُ به الليبيون أيديهم وصدورهم ووجوههم، في يوم من الأيام، لوناً من اللهو، والعبث، أو حتى لمجرد الزينة، وإنما كان يحتل مكانة قدسية، أو رتبة اجتماعية لديهم، حيث تعود ظاهرة الوشم، إلى تاريخ قديم. برزت ظاهرة الوشم في المجتمعات الطوطمية، التي تتألف من قبائل وعشائر صغيرة، لكل منها طوطمها الخاص، الذي ترتبط به، وتتخذه رمزاً لها، وكان الدم والشَعر من أكثر عناصر الجسد الإنساني، استخداماً في إنجاز الطقوس والشعائر. وكانت تطبع صورة الطوطم على جسم الإنسان، المراد امتزاجه (حلوله) بطوطمه، حيث كان لا بُدَّ من إهدار الدم، لكي يمتزج به امتزاجاً مادياً ومعنوياً. ومن هنا نشأت عادة الوشم في أول أمرها."

وهذه الصورة للوشم والدم والطوطم، وانتشارها بين القبائل البدائية، تفسر لنا بوضوح الأسباب التي دفعت طوطم الإرهاب الأكبر (ابن لادن) إلى الذهاب إلى أفغانستان، والاختباء بين قبائل الباشتون المنتشرة في أفغانستان والباكستان (تمثل 38% من سكان البلدين)، بدل المكوث في السودان، وحيث تغلَّبت عناقيد الغضب على عناقيد الذهب، الذي كان يجمعه ابن لادن في السودان (1992- 1996 ) من مشاريعه العمرانية والتجارية، التي يسَّرها له حسن الترابي (أحد معلميه الكبار) الذي تزوج ابن لادن ابنة شقيقته كما ذكرنا في كتابنا (ابن لادن والعقل العربي). ولكن ابن لادن ترك كل الذهب في السودان، وغادر إلى أفغانستان، بحثاً عن عناقيد الغضب، حيث أصبح زعيم قبائل البشتون، التي نصبته طوطماً أعظم، وحاكماً أفخم. ولم يكن المُلا عمر، غير زعيم يملك، ولا يحكم.

-4-

إزالة فكر الإرهاب، عملية طويلة ومعقدة، وتحتاج إلى جهد متواصل، ليس من قبل جهة واحدة، ولكن من قبل عدة جهات في الوطن الواحد، والبلد الواحد. فإصلاح التعليم وحده ليس كافياً لإزالة فكر الإرهاب، ونشر فكر التسامح والحداثة والحرية ليس كافياً وحده كذلك. فانتشار الإرهاب لا يخضع لمنطق علمي محدد، يمكن اكتشاف علاجه في المختبرات، وعلى أيدي علماء متخصصين. ولكنه يظهر في المجتمعات البشرية كإحدى ظواهر الطبيعة من زلازل، وبراكين، وفيضانات، وأمراض فتاكة. وكل هذه لها أسبابها وعلاجاتها العلمية والمنطقية. ولكن الإرهاب ليس كذلك. فقد انتشر الإرهاب في أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين في أكثر الدول الأوروبية تقدماً وتعليماً كألمانيا، وإيطاليا، وإسبانيا، واليونان، والبرتغال، وغيرها.

وهل خفض معدلات البطالة، وإيجاد المزيد من فرص العمل، يكفي وحده للقضاء على الإرهاب، وقد وجدنا أن دولاً متعددة في الغرب قد فعلت ذلك، ولكن عمليات الإرهاب ظلت قائمة من حين لآخر؟ وهل مطالبتنا لأمريكا بالقيام بقيادة استراتيجية دولية لمكافحة الإرهاب يمكن أن تؤدي إلى خفض وتيرة الإرهاب في العالم؟

وهل مشاكلنا مع الغرب ومع أمريكا تتعدى السياسة والاقتصاد، بحيث لا يمكن حلها إلا بالعنف، أم أنها مشاكل سياسية واقتصادية، وحلها يتمُّ بالسياسة والاقتصاد؟