الشوكة لا تعرف عن نفسها ما يعرفه من يتألم منها، والريحانة أيضاً لا تعرف عن نفسها ما يعرفه من يشمّها. أشياء كثيرة لا تدرك ماهيتها ولا أثرها، يصلح هذا التوصيف على طائرات الحرب وصواريخها، ويصلح على الأبواب والثياب والحيطان، ويصلح ويصلح ويصلح.. إلخ، لكن هل تعرف الكلمات عن نفسها ما تفعله! هل حقّاً يعرف الشاعر أو الرسام أو المغنّي ما تفعل الموسيقى واللون والكلمات؟
أذكر أني قرأت كلماتٍ فتغيّر في حياتي شيء، وأذكر أني رأيت ألواناً وأشياء جميلة فتغيّر في حياتي شيء، وأذكر أني سمعت أغنياتٍ من هنا وهناك فتغيّر في حياتي شيء، وطالما فكرت كم أنا مدينٌ لهؤلاء الذين لا يعرفون عني أي شيء، لا يعرفون أني موجودٌ على هذا الكوكب أصلاً، بعضهم مات، وبعضهم حيّ، وأتساءل: أليس من العزاء في شقوة هذا الفنّ الشاسعة أن يعرف خالقوه أنهم مسّوا حياة شخصٍ ما - لم يخطر ببالهم - في بقعةٍ أخرى من الأرض؟
مثلاً.. كيف لشاعرٍ فرنسيّ مثل لويس أراغون أن يعرف، وهو يرقد في قبره، أن أناساً يتحدثون عن كلماته هناك في بلدٍ ربما لم يره وهو حيٌّ إلا على صورٍ للكرة الأرضية وخرائط العالم، أو ربما حدث ورأى عنه شيئاً في نشرات الأخبار؟ حتماً لم يخطر بباله أن أحداً، من هناك، من آخر العالم بالنسبة له، سيقرأ في هذا الثلاثاء كلماته، ولا أن أحداً هناك يسهر مع قصيدته "عيون إلزا". ويا حياة الكلمات!
قال لويس أراغون في عيني إلزا: "فم واحد يكفي في شهر مايو/ كلمات.. لكل الأغاني/ وكل الحسرات. قليلة جداً رقعة السماوات لملايين الأنجم/ كانت تلزمهما عيناك وسحرهما التوأمان. الطفل الذي تسيطر عليه الصور الجميلة/ يحدق بعينيه باتزان غير كثير/ وعندما تحدقين بعينيك/ لا أدري إذا كنت تكذبين. كأن المطر الغزير قد فتح أزهاراً برية/ لقد سقطتُ في شباك النجوم الطائرة. حدث ذات مساء جميل أن تهشم الكون/ على صخور الشاطئ التي أشعلها القراصنة/ وأنا رأيت فوق البحر/ تتألق عينا إلزا.. عينا الزا".
http://www.youtube.com/watch?v= UytK3KsGPGg
لويس أراغون شاعر فرنسي (1897 – 1983) التقى بالكاتبة الروسية إلزا في عام 1928 ووقع في غرامها، وكتب فيها دواوينه (إلزا – نشيد إلى إلزا- عيون إلزا – مجنون إلزا)، وله أعمال كثيرة، وترجم إلى لغات كثيرة، وصارت كلماته مسرحياتٍ وأغاني تجوب العالم. قال لويس أراغون مرة "إن تراث الشعر الجاهلي العربي.. أهم جزء من التراث الشعري الإنساني".