أجل وأكبر هدية يمكن تقديمها الآن للزعماء المحاصرين بالثورات في بلدانهم، هي أن تتجه تلك الثورات نحو عدو تقليدي إقليمي، وتترك قضيتها الداخلية، كأن تتحول الثورات إلى مواجهة مع إسرائيل أو مع الولايات المتحدة، ذلك أنه ثبت من خلال تاريخنا العربي الطويل أن وجود خصم خارجي يمثل أول دعائم الاستبداد وأكثرها ترسيخا لفكرة القائد الفرد المناضل والذي يصبح كل من يفكر بالخروج عليه عميلا وخائنا.
عرفنا في السنوات الثلاثين الماضية أكثر من جبهة صمود، ظلت تقتات لسنوات على هذا العنوان المعلق وقامت بتأخير كل مشروعات التنمية وبناء الإنسان لأنها منشغلة بالمواجهة مع العدو، مما أسفر عن مجرد حكومات تأخذ شرعيتها من ادعاء الصمود والمواجهة، والتي لا مكان لها على الأرض ولا في الواقع.
إسرائيل خصم تقليدي ومحتل يمارس أبشع أنواع انتهاك حقوق الإنسان، ويمثل عقدة للمنطقة لا يبدو أنها قابلة لكل الحلول التي تم طرحها خلال سنوات من المفاوضات وبرعاية أميركية وأوروبية، ولقد بات من الواضح أن من أبرز عوامل استقرار إسرائيل طوال السنوات الماضية أنها تدير قضيتها مع أنظمة المنطقة وليس مع شعوبها، تلك الحكومات التي تعاني من إشكاليات كبرى في شرعيتها في الداخل، بين استبداد وتوريث وقفز على أقل قيم وأدوات الديمقراطية، الأمر الذي جعلها ضعيفة ومهزوزة من الداخل، لتتعلق بالقضايا الخارجية كمبرر لوجودها.
نجحت الثورة المصرية نجاحا كاسحا لأنها كانت ثورة داخلية بامتياز، وقبل ذلك كان النجاح الذي حققته الثورة التونسية لأنها تنطلق من هموم وقضايا داخلية، ثم اتسعت دائرة الثورات، وكلها تكاد تشتمل على عامل مشترك هو أنها ضد الاستبداد وتسعى لإعادة الاعتبار للديمقراطيات التي نسفتها أنظمة التوريث وقوانين الطوارئ، في حزمة من دول المنطقة التي لم تعرف سوى الرئيس الواحد والقائد الواحد بينما يفترض بها أن تكون كيانات ديمقراطية.
ولم تشهد الثورات التي نجحت أو التي لا تزال قيد التحرك أي استخدام لشعارات وقضايا إقليمية، فلم يحرق في ميدان التحرير في القاهرة علم أميركي أو إسرائيلي واحد ولولا علاقات تلك الحكومات بالكيان الإسرائيلي لوجهت كل آلتها الإعلامية لوصف المتظاهرين بأنهم عملاء لإسرائيل ومندسون لإسقاط جبهات الصمود والمقاومة، تماما كما يحدث في الإعلام الحكومي السوري الآن.
جاءت الذكرى الثالثة والستين للنكبة الفلسطينية هذا العام، وسط انتباه العالم العربي إلى قوة الشعوب وقدرتها على الثورة وانتزاع مستقبلها من أيدي المجهول السياسي إلى فضاءات الحرية والديمقراطية، والحقوق، كل ذلك مرتبط بحماس منقطع النظير نحو هذه التحولات والسعي إليها، لكن القضية الفلسطينية ليست مشمولة إلى الآن بهذا الحراك إلا أن يكون حراكا فلسطينيا داخليا، لا حراكا عربيا إقليميا. أولا على المستوى النفسي والوجداني ستجد الجماهير الفلسطينية نفسها أمام تجارب لثورات عربية ناجحة، وتفجر جديد للحريات وانتزاع الحقوق، إنما ما يجب على الجماهير العربية إدراكه أن أية محاولة لتحويل الثورة الفلسطينية إن قامت إلى ثورة عربية سوف يضعف الآن من قوة ما يحدث في اليمن وسورية وليبيا، وسيتحول القادة المحاصرون إلى أبطال قوميين من جديد.
على الجانب الآخر، بات من الواضح أن السياسة الأميركية لا تزال مرتبكة أمام ما يحدث في العالم العربي، لكن أسوأ ما يمكن أن يحدث الآن أميركيا هو فقدان القدرة على ابتكار منطق جديد ورؤية جديدة للتعامل الأميركي مع القضية الفلسطينية، إذ توشك الحكومة الأميركية أن تعلن فشلها الذريع خاصة بعد استقالة جورج ميتشل مبعوث السلام الأميركي إلى الشرق الأوسط، وما يحمله ذلك من دلالات على جمود وتراجع في عملية السلام.
ظل الأميركيون طوال السنوات الماضية يتعاملون مع الأنظمة والحكام، بينما يجب عليهم أن يدركوا الآن أن تعاملهم يجب أن يكون أيضا مع الشعوب، والشعوب لا تقبل سوى الحقائق على الأرض، ولا قبل لها بالمناورات واللقاءات والمفاوضات طويلة الأمد، مما يعني أن الفشل الذي حدث في قضية الاستيطان مثلا سوف يكون كارثيا في حالة استمراره، وسيؤدي إلى ارتفاع سقف المطالب وسيجد البيت الأبيض نفسه عاجزا عن الاستجابة لتلك المطالب، وقد يأتي يوم لا يختلف فيه الإعلام الأميركي عن الإعلام الليبي من وصفه للمتظاهرين الفلسطينيين بأنهم من القاعدة ومن الجماعات الإسلامية لكي يستطيع تبرير صمته عما قد يواجهونه من قمع.
سيحدث هذا وبنجاح واضح وسيتسبب في إحراج كبير لكل رعاة عملية السلام إذا كانت الثورة ضد الاحتلال ثورة فلسطينية وليست ثورة عربية، لأن خروجها كثورة عربية سوف يعيد الحاجة إلى دعم الديكتاتوريات في العالم العربي، وسيمثل خروجا على القيم الوطنية العليا لكل الثورات لتصبح ثورات دينية أو إقليمية، وستجد إيران مثلا ذاتها أمام فرصة لمحاولة تقديم دور في هذه المعادلة، بل ستتجه الحكومات العربية التي تعاني إشكالات داخلية إلى التمسك بهذه القضية وتشتيت الانتباه عما تواجه من ثورات داخلية.
الثورة المصرية نجحت لأنها اتجهت لتحرير مصر، وليس العالم العربي، وعليها أن تدرك ذلك، وإن أي نجاح ستحصده الثورة الفلسطينية يجب أن يكون بقوى الجماهير الفلسطينية، لأن الثورات تنجح حينما تكون إنقاذا للوطن، وليست إنقاذا للأمة.