قلنا إن ديوان أحمد التيهاني "لابة غسان" من ذلك النوع الذي يمثل فيه الانحراف اللغوي أساس الأسلوب وجوهره، هذا فضلاً عما يتمتع به من إسقاطات عديدة على الواقع، تلك الإسقاطات التي تجعل المتلقي مشاركاً أساسياً في إنتاج الدلالة، كما نجد ذلك في قصيدته "زحل" التي يفتتحها بقوله:
عامان مذ.. ماذا، وممحاة وهلْ
تُبقي لنا الممحاة ضوءاً من زحلْ؟
زحلٌ هناك يقود أسرابَ المُنى
نحو السماء، ونحن نطمس ما فعلْ
ويختتمها باستحضار (زحل)، عبر الالتفات البلاغي من الغائب إلى المُخاطَب بقوله:
طمسوا يقينكَ من جدار حياتنا
واستعذبوا نوم المدينة في العسلْ
يا ذاك؛ إن القوم قد سرقوا الندى
من زهرة الجبل الملطخ بالعللْ
وهنا نجد رمزين: رمزاً للبناء متمثلاً في (زحل)، ذلك الكوكب الذي يعد ثاني أكبر كواكب المجموعة الشمسية، ورمزاً للهدم متمثلاً في الحاقدين على التطور، ربما، السارقين جهود غيرهم، ربما، الكارهين لتاريخ وأفعال السابقين الراقية، ربما، وربما العاجزين عن مواصلة هذه الجهود والبناء عليها، وبين هذين الرمزين يتوجب على المتلقي أن يُسقط كل رمز على ما يراه ملائماً لتلك الحالة المكرورة في مجتمعاتنا العربية خاصة!.
لغة التيهاني في "لابة غسان" هي لغة الأرض، لغة الأصالة، لغة التاريخ، لغة المكان التي تطل في أكثر من موضع كقوله في قصيدة "بتلار":
كانَ يا ما كانَ في عصر العَمَسْ
جَبَلِيٌ تَتَقَرَّاهُ تقاريرُ العَسَسْ
أبْهَوِيٌ يَمْضُغُ الليلَ..
يُسلِّي بَرْزَخَ العمرِ يُغنِّي:
"وابرِ عشْقَهْ قالَ وِدَّهْ وِدَّهْ
يشتريْ ثوبٍ مَقاسهْ قَدّهْ
منِ امغالِياتي"
ويقول في مقطع آخر:
كَفِّنِي أحلامَكِ الخضراءَ..
تُوبِي..
عن رياءِ الزَّيْتِ..
واسْتَافي الحقيقةْ
إنه "البِتلارُ" لا زهرٌ ولا عشتارُ..
لا أبهاكِ..
لا فيروزُ
لا شعرٌ وفنْ
ذلك المَشَّاءُ في أهليكِ كالفيروسِ..
همازٌ..
به يسقون جَدْبَ القيظِ
ينقلبُ المِجَنْ
مذ متى والزيتُ يعطينا رحيقهْ؟!
ممتع هو "لابة غسان"، ديوان أشبه بـ"ثورة"، ثورة في اللغة، في الصورة، في السخرية وهو يبحث عن القيم الغائبة، تلك السخرية التي تدفعنا دفعاً لاختتام هذه الفضفضة بقول التيهاني في قصيدة "تربية":
لم يعلمني أبي
أن هذا العمر فرصةْ
لم يلقني دروساً كأبيكم
لم يقل لي:
خُنْ تكن فوق المنصةْ!!