شهدت صالة "عرباسكو" الخاصة بمطار الملك عبد العزيز الدولي بجدة ليلة الثلاثاء الماضي تنافسا محموما من أجل السفر والالتحاق برحلة دولية طارئة كانت مثار استغراب وفي ذات الوقت إعجاب رواد الصالة من الركاب، حيث كان المشهد أنموذجا حقيقيا للتضحية والتنافس الشريف أذهلت المسافرين وجعلتهم يشعرون بالغبطة والفخر بهؤلاء المتنافسين بعد أن عرفوا الوجهة والغاية من السفر.

الرحلة لم تكن متجهة بطبيعة الحال إلى بلد أوروبي أو إلى دولة سياحية من الطراز الأول تقع في أقصى الشرق الآسيوي، فهؤلاء المتنافسون لم يأتوا من أجل السياحة أو لتمضية الوقت ولكنهم هَبُّوا تلبيةً للنداء ولأداء "مُهمة" إنسانية كُلفوا بها من قِبَل خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود لتقديم الدعم والمساندة للمنكوبين في باكستان جراء الفيضانات التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد وخلفت الملايين من المشردين وأعدادا من القتلى.

أحدث المعدات

وأوضح رئيس فريق البحث والإنقاذ السعودي المتجه لباكستان العميد محمد بن مبارك الشعباني لـ"الوطن" أن عناصر فريقه تم تشكيلهم بإشراف مباشر من مدير عام الدفاع المدني الفريق سعد التويجري، وتم تزويد الفريق بأحدث المعدات التي ستمكنه من أداء عملهم على الوجه المطلوب، مشيرا إلى أن المعدات تشتمل على آليات ثقيلة مثل "الشيولات" العملاقة التي ستساعد في شق الطرق وفتحها أمام معدات وآليات النقل المتوسطة والخفيفة، إلى جانب تسهيل عمليات إنزال قوارب الإنقاذ المتطورة من نوع "زوياك" التي تتمكن من حمل 14 شخصا على متنها في وقت واحد، وتتسم بالسرعة والأمان حتى في حال تعرضها للعطب في عرض المياه.

وأضاف أن الفريق يتألف من 130 شخصا ما بين ضابط وفرد، منهم 85 من فريق الغوص "الضفادع البشرية" وفريق متخصص في تقديم الخدمات الطبية وطاقم إداري، و سيغادر على دفعتين الأولى تتألف من 15 إنقاذيا والبقية في الدفعة التالية.

قدرات ومهارات

وكشف أن كافة أفراد الفريق يتميزون بأنهم من ذوي الخبرة في التعامل مع كوارث المياه، وأن الإنقاذ المائي بحد ذاته يعتبر علما مستقلا يعتمد على الجانب التقني والخبرة البشرية بشكل كبير كون الظروف التي يتم العمل فيها لا تسمح بارتكاب الأخطاء، وإلا قد يتعرض كل من المُنقِذ والمُنقَذ إلى خطر الموت، مستطردا أن من التجهيزات أيضا عربات الدفع الرباعي ومولدات الكهرباء وعربات الإضاءة كون العمل سيستمر ليلا ونهارا، مؤكدا أن فريق الإنقاذ السعودي سيكون خير مُعين لإخوانهم المنكوبين في باكستان، وبما يعكس القدرات والمهارات الحقيقية التي يتمتع بها رجال الدفاع المدني وحجم كفاءتهم في مجابهة الكوارث.

التضحية فوق كل اعتبار

كانت الحماسة والروح المرحة بادية على مُحيا الجنديين هاني الحمدي ورامي الغامدي حين سألناهما عن مدى الاستعداد والتأهب وكيف تلقيا خبر الانضمام لفريق الإنقاذ فبادراني بأن طبيعة عمل رجل الدفاع المدني تجعلهما على أهبة الاستعداد لأي طارئ وفي أي وقت سواء داخل المملكة أو خارجها، وبالتالي فإن الالتحاق بهذه المهمة الخارجية هو في واقع الأمر شرف عظيم يتمنى كل رجل في الدفاع المدني أن يلتحق به ويحققه وحين سألناهما بغرض المداعبة عن إمكانية تأقلمهما، خصوصا وأن مأكولاتهما الرمضانية المفضلة لن يجدانها هناك، أجابا ضاحكين أن التضحية فوق كل اعتبار، فهما بمفارقتهما أسرهما ووطنهما وأحبتهما خلال هذه الأيام المباركة يطمحان إلى ما عند الله سبحانه وتعالى من الخير والمثوبة كونهما لبا نداء خادم الحرمين الشريفين الذي استشعر كقائد أمة ومن منطلق الروابط الدينية والإنسانية مع باكستان أهمية إشراك العنصر السعودي في أعمال البحث والإنقاذ في باكستان.

بعدها لمحت كلا من الرقيب أول ياسر باعطية والعريف علي المزيني والجندي عبد الله الرشيدي وهم ينقلون حقائبهم إلى داخل الطائرة ولفت نظري وجود جوالين متوسطة للمياه برفقة حقائبهم لأسألهم عن ماهيتها وسبب اصطحابهم لها فرد عليّ ياسر بأنها جوالين مياه زمزم المباركة أحضروها معهم من مكة المكرمة، حيث يعملون في إدارة الدفاع المدني وحين تم ترشيحهم للانضمام لفريق الإنقاذ كان من بين الحاجيات الضرورية التي رأوا أن تكون معهم هي عبوات مياه زمزم حتى يفطروا عليها بعد صيام كل يوم ويوزعوا على زملائهم لتعم البركة، وأضاف عبد الله أنه أحضر أيضا عبوات من الرطب من مزرعتهم الخاصة في منطقة المدينة المنورة وتم شحنها داخل حقائب خاصة.

دور مهم

الجندي علي الفرساني ووليد الزهراني وهاني اسكندراني بدوا متحمسين وهم يحزمون حقائبهم ويثبتون خوذاتهم الواقية على رؤوسهم، وأشاروا إلى أن تجربتهم مع حوادث السيول التي شاركوا فيها داخل المملكة، وكان آخرها حوادث سيول جدة نهاية العام الماضي أثرت خبراتهم في الإنقاذ والبحث، مؤكدين أنهم يسعون لأن يكون لفريق الإنقاذ السعودي دور مهم في التخفيف من وطأة الكارثة على الشعب الباكستاني.

الملازمان ماجد الأزوري وسعيد الغامدي والرقيب أول خالد باسليمان والجندي أول طارق السلمي كانوا مشغولين بتفقد شحن المعدات والأجهزة الإلكترونية المتطورة التي تستخدم في البحث والإنقاذ والكشف عن المفقودين في عمق المياه، حيث ذكر الأزوري أن التدريب المستمر على مثل هذه المعدات واستعمالها في حالات الغرق التي يتم مباشرتها بين الحين والآخر مكنتهم من إتقان التعامل معها بدقة فائقة، بينما أشار باسليمان إلى أن كافة دورات الغوص التي يتلقونها في مراكز التدريب المتخصصة التابعة للدفاع المدني يتم التطبيق العملي عليها خلال الحوادث ببعض المناطق التي تكثر فيها السيول والأمطار.