تحولت قضية إقامة مركز إسلامي يحمل اسم "قرطبة" بالقرب من موقع برجي التجارة العالمية اللذين دمرهما هجوم 11 سبتمبر 2001 الإرهابي، إلى قضية سياسية تقسم المجتمع الأمريكي بأكمله في اللحظة الراهنة وتهدد بالتفاقم إلى حملة متكاملة ضد الإسلام والإسلاميين.
ويأتي ذلك ليكشف حقيقة ما أحدثه هجوم 11 سبتمبر من آثار بالغة السلبية في نظرة الأمريكيين إلى الإسلام، على الرغم من الخرافات التي تحاول "القاعدة" الترويج لها من أن الهجوم أدى إلى زيادة عدد من يدخلون إلى دين الله في الولايات المتحدة! ذلك أن من يروجون لتلك الخرافات إما أنهم لا يعرفون حقيقة ما يقال ويحدث في الولايات المتحدة، أو أنهم يعرفون الحقيقة ويسعون إلى الرد مسبقا على أحد أكثر الانتقادات التي يمكن أن توجه إليهم..
غير أن الحملة الراهنة التي تتمحور حول المركز الإسلامي في نيويورك لم تركز فحسب على ذلك التيار المعادي للإسلام الذي ولدته ووسعت من نطاقه أحداث 11 سبتمبر وإن كانت استندت إلى تلك الأحداث كأبرز مبرراتها، ذلك أن النظرة الأكثر شمولا لما يحدث بسبب "قرطبة" توضح بجلاء أن هناك أجندة سياسية أبعد كثيرا من وقف بناء المركز، وإن كانت تستند على آثار 11 سبتمبر بصورة رئيسية، إذ لم تكن قضية قرطبة لتصبح على ما هي عليه الآن في الشارع الأمريكي وبين الأمريكيين غير المسيسين لو لم يكن 11 سبتمبر قد أتى بما أتى.
أجندة سياسية
وتتضمن تلك الأجندة عددا من العناصر الأساسية، منها استخدام العداء للإسلام كسلاح سياسي في انتخابات الكونجرس النصفية في نوفمبر، والإعداد لانتخابات الرئاسة الأمريكية في 2012، وإثارة الشكوك حول هوية الرئيس باراك أوباما الدينية، ودعم تيار اليمين المتطرف في الولايات المتحدة، واكتساب قطاعات أوسع إلى أرض ذلك التيار، استنادا على إعادة تعريف "نحن" أي الأمريكيين عبر مفردات عنصرية ودينية في تعريف "هم" أي الخصوم. ذلك أن تعريف "هم" يمكن أن يحمل ضمنا مفردات تعيين "نحن". فإذا كانت "هم" تعني المسلمين فإن "نحن" تعني ضمنا من هم غيرهم أي المسيحيين واليهود. يروق هذا التعريف كثيرا للتيارات الدينية المتشددة في الولايات المتحدة، إذ إنه ينفي عن الجميع" هم" و "نحن" صفة المشاركة في الإنسانية وأي صفة أخرى للمشاركة في أي شيء بالمرة. قد استند كل ذلك على أحداث 11 سبتمبر، إذ كان "قرطبة" يضع الأمرين في جملة لغوية واحدة :المسلمون و11 سبتمبر.
وفيما يتصل بانتخابات الكونجرس النصفية فقد كان الهدف الأساسي للتيار اليميني في الحزب الجمهوري من حملة "قرطبة" هو استثمار المخزون الذي أتاحته أحداث 11 سبتمبر من عداء للإسلام كبند في الحملات الانتخابية، ذلك أن الديموقراطيين على وجه العموم أقل ميلا إلى استخدام الدين في الحملات الانتخابية بينما يعتمد يمينيو الحزب الجمهوري على التيار "الايفانجليكي" ، أو من يسمون أنفسهم بـ "المولودين" مجددا كجزء أساسي من قواعدهم الانتخابية.
وكان ذلك التيار المتشدد قد بدأ يتجه على مستوى قواعده إلى أجندة سياسية – اجتماعية على نحو أكثر وضوحا في العامين الأخيرين. فقد شهدت تلك القواعد نقاشات حول برامج التأمين الصحي وأسباب الأزمة الاقتصادية داخل الكنائس، فيما بدا أنه تحول في الخصائص المميزة التي تجعل القادة وحدهم قادرين على التحكم في مسار الأمور بداخله. وكان هذا التحول الذي فرضته الظروف العامة في الولايات المتحدة في الآونة الراهنة يمثل تهديدا واعدا لتلك القيادات التي تستمد نفوذها من أسس دينية وتمتلك وحدها حق المتاجرة بوزن التيار الانتخابي لدعم ما تشاء من أمور سياسية واجتماعية وليس ما تراه القواعد التي لم تكن تناقش تلك القضايا من قبل.
المتشددون
وهكذا ظهرت قضية "قرطبة" لتعيد تأطير النقاشات داخل "المولودون مجددا" حول ما إذا كان ينبغي لمن ارتكبوا هجوم 11 سبتمبر أن يقيموا مسجدا في موقع الهجوم، إذ إن تلك هي الصياغة التي وضعها القس "تيد هاجارد" أحد أبرز تلك القيادات. وكان التيار يشهد ما هو أكثر من التحولات المشار إليها، إذ بلغ الأمر إلى حد أن عددا من قياداته رحبت بمبدأ إقامة دولة فلسطينية مستقلة طبقا للرسالة التي وجهها هؤلاء القادة إلى الرئيس جورج بوش في 29 يوليو 2007، وذلك في اختلاف واضح مع القسم الأكبر من تلك القيادات ممن يعتبرون أن انسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية هو "معصية للخالق" الذي منح كل تلك الأرض لليهود في العهد القديم. بل إن بعضا منهم انبروا للدفاع عن الإسلام، كما يشهد بذلك بيان أصدرته بعض الكنائس الايفانجليكية في 3 يناير 2008.
وفي رسالة 2007 قال القادة إنهم يدعمون مسعى بوش لإقامة دولة فلسطينية مستقلة "لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني"، أما في بيان 2008 فقد ورد بالنص أن الإسلام والمسيحية يشتركان في رفض الانحلال الأخلاقي والتفرقة على أساس الدين أو العنصر وفي السعي لإقامة مجتمع أكثر أمنا وتعميق الهوية الروحية للإنسان، وأن ذلك ينبغي أن يوحد جهود القيادات الدينية في الجانبين معا. وكان واضحا أن ذلك المنحى يتعارض بصورة جوهرية من اتجاه القيادات التقليدية للتيار إلى جعله قطبا يمينيا متطرفا من حيث الهوية السياسية.
ديانة الرئيس
وبشأن إعادة فتح ملف هوية الرئيس أوباما الدينية فقد كان واضحا من البداية أن السيرك الذي أقامه المتطرفون في أجهزة الإعلام الأمريكية يهدف إلى استدراج أوباما إلى التدخل. بل إن الدعوات لإبراز موقفه توالت في أجهزة الإعلام حين تريث البيت الأبيض في إعلان ذلك الموقف. وأوباما المقيد بعدد من الاعتبارات هو مقتنع بأن القاعدة لا تمثل الإسلام وأن من حق المسلمين بناء مسجد لهم حيث يشاؤون بما في ذلك موقع هجوم 11 سبتمبر كما أعلن بعد ذلك. إلا أن تدخله يمكن أن يزود أكثر أقسام مهاجميه ضراوة وتخلفا، أي من يناقشون هويته الدينية، بوقود جديد لإذكاء نيران حملاتهم ضده بعد أن هدأت حدته بعض الشيء.
واختار الرئيس في نهاية المطاف أن يعلن موقفه على العكس من جورج بوش الذي دعاه كثيرون لأن يدلي بدلوه ولكنه امتنع عن ذلك. فالرئيس السابق يدعم على الأرجح ما قاله أوباما كما أوضح مستشاره السابق للأمن القومي ستيفن هادلي إلا أنه لم يرغب في التدخل بناء على طلب الجمهوريين الذين يريدون الاستفادة من الحملة سياسيا إلى الحد الأقصى لذلك.
وأعقب إعلان أوباما لموقفه تجدد الحملة التي تناولت هويته الدينية وانضمام المزيد من الأمريكيين إلى من يشكون في أن الرئيس يمكن أن يكون "مسلما متخفيا" كما يقول قادة اليمين المتطرف في الحزب الجمهوري. غير أن هذه النسبة التي تشكك في هوية أوباما الدينية والتي تبلغ الآن نحو 20% من الأمريكيين، كانت تعرف مثلا أن المرشح الديموقراطي لمنصب نائب الرئيس عام 2000 كان جوزيف ليبرمان اليهودي الديانة. ولم يعترض أحد على ذلك في تلك الآونة. أما المعترضون الآن فإنهم يقتاتون بصفة أساسية على الجهل بالإسلام ومن ثم فعالية الحملة المعادية له التي تستند على هجوم 11 سبتمبر في القول بأن "الإسلام يقتل"، كما رفع المعترضون على لافتاتهم في مظاهرة أخيرة شهدتها نيويورك بهذا الشأن.
الثمن السياسي
وبعد أن أعلن أوباما موقفه ازدادت الحملة حدة والتهابا. فقد بات على الديموقراطيين في كل الدوائر الانتخابية أن يحددوا ما إذا كانوا يقفون مع الرئيس أو ضده. وكان وقوفهم مع الرئيس يعني أنهم سيكسبون عداء شرائح ممن كانوا سيصوتون لهم من المتأثرين بالحملة المعادية للإسلام. أما الاختلاف مع الرئيس فإنه كان سيقلل من دعم الحزب لمرشحيه. على الرغم من ذلك فإن" هاري ريد" زعيم الأغلبية الديموقراطية في مجلس الشيوخ قرر أن ينقذ رأسه أولا على حساب أوباما والمسلمين على حد سواء فأعلن أنه يختلف مع رأي الرئيس حول" قرطبة" بعد يوم واحد من خطاب أوباما الذي ألقاه في حفل إفطار بمناسبة شهر رمضان المبارك في البيت الأبيض.
ومنطق الحملات الانتخابية بصفة عامة هو الإبقاء على القضايا الخلافية بعيدة عن شاشة رادار الناخب لتجنب تحديد المواقف بقدر الإمكان ومن ثم تجنب خسارة أي شريحة من الناخبين، إلا أن الجمهوريين رأوا أن أغلبية أمريكية وقعت تحت تأثير الحملة المعادية للإسلام وأن "حشر" قضية قرطبة في السجال الانتخابي هو خيار آمن بالنسبة لهم ويحفل بالمخاطر بالنسبة لخصومهم. وهكذا فقد كانت الاعتبارات السياسية مرة أخرى محركا بارزا في إثارة القضية على نحو ما تثار به الآن.
ومن الوجهة العامة فقد دشنت الحملة المعادية لـ "قرطبة" مرحلة جديدة يخطو فيها الرأي العام الأمريكي خطوة إلى الخلف، ليس فقط نحو معاداة المسلمين، ولكن أيضا نحو التخلي عما جعل الولايات المتحدة على ما هي عليه الآن. ذلك أن نسبة الأمريكيين الذين يعارضون تشييد "قرطبة" في موقع هجوم 11 سبتمبر بلغت 51% فيما أيده 36%. وليس من الواضح حتى الآن إن كانت نسبة المعارضين تتراجع في مواجهة تصدي عشرات من قادة الرأي العام في الولايات المتحدة لهذه الهستيريا المعادية للإسلام والمسلمين التي تفجرت استنادا على مخزون 11 سبتمبر وعلى اعتبارات سياسية آنية أيضا.
فعدد من رفضوا هذه الهستيريا كان كبيرا بحق بأكثر مما توقعه المتفائلون بالنظر إلى حدة الحملة. ظهر ذلك في مقالات للصحف وبرامج في محطات التلفزيون الأساسية. وفيما اختفى المعارضون خلف غلالة "رفض الموقع وليس رفض المسجد" ، فإن المؤيدين دافعوا عن الاثنين معا الموقع والمسجد. وكانت حجة هؤلاء المدافعين الأساسية هي حق ممارسة الشعائر الدينية الذي ميز الولايات المتحدة دائما، فيما كان منطق المعارضين يستند على المعاملة بالمثل، حسب قولهم، وعلى تشويه منهجي للشريعة الإسلامية ولتعاليم الدين الحنيف.
إحياء العنصرية
ويذكر المناخ الراهن إلى حد كبير بالمناخ الذي ساد ألمانيا في نهاية العشرينيات وأوائل الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث ترسخ تعريف "نحن" بأبناء الجنس الآري، ومن ثم ترسخ تعريف "هم" في كل من هم غير ذلك. وهذه بصفة عامة مقدمة لتمزيق الانتماء للإنسانية بنصال الانتماء إلى عرق أو جنس أو غير ذلك، ومن ثم مقدمة لأسوأ ما يمكن تصوره من جرائم للقتل الجماعي تحت راية الدين أو العنصر أو نقاء الدم أو ما إلى ذلك.
وواقع الأمر أن "قرطبة" أوضح بجلاء أن الولايات المتحدة تقف على مفترق طرق مشابه، إذ يجذبها المتطرفون من كل صنف نحو أمر مشابه لما حدث في ألمانيا، فيما يسعى من يعرفون أبسط دروس التاريخ مغزى ذلك ويبذلون جهدا خارقا في مقاومته. إن قضية المركز الإسلامي في نيويورك هي خطوة بارزة على درب محاولة إعادة صياغة العقل الاجتماعي الأمريكي ومن ثم إعادة صياغة البناء السياسي في الولايات المتحدة. والمؤسف حقا أن الهستيريا الراهنة تحقق بعض الإنجازات المهمة دون أن نبذل نحن أي جهد للتدخل في تلك العملية المقلقة بصورة بناءة وإيجابية على نحو يعيد الأمر إلى نصابه.