أثارت قرارات خادم الحرمين الشريفين حفظه الله التي صدرت مؤخراً بشأن كارثة سيول جدة، أصداءً واسعة في الأوساط الاقتصادية والاجتماعية، والتي تضمنت العديد من الإصلاحات التنظيمية والإدارية، والتي تعتبر خطوة فاعلة في محاربة الفساد الإداري والمالي ووسيلة مساعدة للأجهزة الحكومية في المحافظة على المال العام، ومساعدتها أيضاً في رفع كفاءة أدائها وأداء منسوبيها وأداء مشاريعها وخدماتها.

ومن ضمن هذه القرارات الإصلاحية هي أن تقوم هيئة الخبراء بمجلس الوزراء بالعمل على تطوير أنظمة الرقابة والضبط ووحدات الرقابة الداخلية بما يمكنها من أداء مهماتها المنوطة بها، ولها الاستعانة بمن تراه من بيوت الخبرة المتخصصة سواء في الداخل أو الخارج.

وأقف كثيراً عند هذا القرار لما فيه من إصلاح شامل وواسع ومعالجة قوية لتعثر كافة المشاريع الحكومية في المملكة، فمن ضمن مهام المراجعة الداخلية القيام بنوع مهم من أنواع الرقابة وهي ما يسمى برقابة الأداء، وهذا النوع من الرقابة يكاد يكون غامضاً على الصعيد الاجتماعي والحكومي، حتى في القطاع الخاص قد لا يمارس هذا النوع من الرقابة بالأسلوب المهني. وكذلك في الجامعات والمعاهد والكليات لا يتم تدريسها.

ونظراً لأهمية رقابة الأداء وخاصة في المشاريع الحكومية، سوف أتطرق في هذه المقالة لكيفية القيام بهذا النوع من الرقابة من خلال وحدات المراجعة الداخلية، والتي أكد على تفعيلها قرار خادم الحرمين سالف الذكر.

تعرّف رقابة الأداء على أنها أسلوب المراجعة الذي يمكن الحكم من خلاله على أن النتائج المحققة بالجهة محل الرقابة قد جاءت في ضوء استخدام مبادئ الاقتصاد (Economy) والكفاءة (Efficiency) والفعالية (Effectiveness) ووفقاً للأهداف المرسومة، مع التعرف على الانحرافات التي ظهرت عند التنفيذ وأسباب ذلك لتحديد المسؤولية الإدارية من جهة ورسم السياسات المستقبلية السليمة من جهة أخرى.

وتعرّف منظمة "الإنتوساي" رقابة الأداء بأنها "فحص مستقل لكفاءة وفعالية البرامج أو المشاريع أو المنظمات الحكومية بخصوص الاقتصاد وبهدف الإفضاء إلى تحسينات".

فعلى سبيل المثال تتناول رقابة الأداء على مشروع صرف صحي ما يلي:

• تقديم العروض والعقد وإجراءات ضبط المشروع لتحديد مدى التقيد بالمواصفات والمدى الزمني وأقل مستوى من التكلفة أو ضمن حدود التكلفة المقررة. (الاقتصادية).

• الصيانة والتشغيل وتوزيع الفنيين والإداريين وتكامل الخدمات المساندة. (الكفاءة).

• نتائج – على سبيل المثال- تغطية كامل المدينة بخدمات الصرف الصحي.. معالجة المياه وإعادة استخدامها.. (الفعالية).

هذا هو المفهوم العام لرقابة الأداء، وهي تخضع لمنهجية تتعلق بكيفية جمع المعلومات واقتراح المهام واختيارها والتخطيط لها، وكيفية تنفيذها، وكيفية إعداد التقارير لمثل هذا النوع من الرقابة.

ولتوضيح دور رقابة الأداء بشكل أوسع وخاصةً في المشاريع التنموية، أشير بهذا الصدد إلى ندوة ديوان المراقبة العامة السنوية السابعة والتي كانت بعنوان "أسباب تعثر تنفيذ المشروعات الحكومية وسبل معالجتها"، والتي ناقشت العديد من أسباب تعثر المشاريع منها على سبيل المثال: الضعف في التخطيط للمشروعات، وعدم الدقة في تقدير تكاليفها، وضعف التنسيق مع الجهات ذات العلاقة..إلخ. جميع هذه الأسباب تتناولها رقابة الأداء، حيث تبحث في الأسباب الأساسية للمشكلة وتقارنها بالأوضاع المفترضة ومن ثم تحدد الآثار المترتبة عليها وتضع لها توصيات تسهم في معالجتها ومتابعتها، وهذه العملية بالطبع تحتاج إلى دراسات وأبحاث متعمقة وجمع معلومات كافية وملائمة لمعرفة طبيعة المشاريع الخاضعة للرقابة والظروف المحيطة بها.

ورقابة الأداء تجيب على سؤال رئيسي مهم وهو هل يتم تنفيذ مشاريع الجهة الحكومية بطريقة اقتصادية ذات كفاءة وفعالية وفق الأهداف المحددة؟ وبناءً على هذا التساؤل يتم تصميم برنامج المراجعة عن طريق وضع أهداف فرعية كل هدف فرعي يتطلب العديد من الخطوات لتحقيقه، فعلى سبيل المثال يتم تقسيم الهدف الرئيسي إلى أهداف فرعية وذلك على النحو التالي:

الهدف الأول: هل الهيكل التنظيمي والدليل التنظيمي المتعلق بالإدارات المرتبطة بالمشاريع ملائم ومناسب لطبيعة مشاريع الجهة؟

الهدف الثاني: هل الاعتمادات المالية المخصصة للمشاريع كافية ومبنية على أسس علمية واقتصادية؟

وهكذا يتم تحديد الأهداف الفرعية الأخرى بناءً على الدراسات التي تم إجراؤها قبل القيام بعملية المراجعة من خلال عمليات المسح الميداني أو المكتبي وفهم طبيعة ونشاط المشاريع، وكل هدف فرعي يتطلب خطوات تفصيلية لتحقيقه ترتبط بنوع الأدلة والمعلومات وكيفية دراستها وتحليلها.

إن موضوع رقابة الأداء له مجال واسع ومعقد تصعب إحاطته، وكان الهدف من هذه المقالة هو إلقاء الضوء على هذا النوع من الرقابة في ظل الأمر الملكي الذي صدر مؤخراً، لما لها من دور كبير في مجالات التنمية الشاملة للدولة، حيث إنها تدخل في عمق وصلب الأعمال الإدارية والمالية للجهات الحكومية، وهذا ليس بالأمر السهل إذ يعتمد على مدى قوة واستقلالية وحدة المراجعة الداخلية ودعمها من قبل الإدارة العليا في الجهة، وكذلك مدى توجه الوحدة نحو الممارسة المهنية للرقابة ومدى توافر الكفاءات البشرية المؤهلة لمثل هذا النوع من الرقابة.

وفي النهاية يجدر التذكير بأن رقابة الأداء تسعى لأن تكون أداة لمساعدة الجهات الحكومية على تطوير أدائها وتحسين أساليب عملها، لذلك فإن اعتماد منهج التعاون والتوافق بين وحدة المراجعة الداخلية والإدارات الخاضعة لرقابتها يعد أمراً مطلوباً لتحقيق تلك الغاية، كما ينبغي إقناع المسؤولين بأهمية العمل الذي تؤمّنه وحدات المراجعة الداخلية وما ينتج عنه من تحسينات وإصلاحات تعود بالفائدة على جميع الأطراف.

كما آمل من هيئة الخبراء أن تأخذ بعين الاعتبار موضوع رقابة الأداء على جدول أعمالها، والإسراع في إنشاء هيئة المراجعين الداخليين في المملكة، والإسراع كذلك في إصدار الدليل الإرشادي لوحدات المراجعة الداخلية من قبل ديوان المراقبة العامة.