الأفكار تشبه الكائنات الحية، ووصف الرب الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة، ولأنها كائنات حية فهي تتزاوج وتتكاثر، وعلاقات الأفكار في تزاوجها تخضع للقوانين التالية (بعضها على الأقل):
تقول الفكرة الأولى: إن علاقات الأفكار في التزاوج ليست مثل الواقع الاجتماعي الإنساني ففي عالم الأفكار يمكن للأفكار أن تتزاوج مع أصولها وفروعها إن صح التعبير، فلا يوجد حرمة في زواج الأخوات والأخوة والآباء والأبناء ولا تخضع لقانون بيولوجي بل هي من عالم الأثير والفكر الخالص، وهذا يعني ذرية برقم قياسي.
الفكرة الثانية: الذرية التي تخرج من هذا الاقتران ليست ( نُسخاً = كوبي) ولا أصولا، بل هي أفضل من الأصول، بل وكل ذرية هي أفضل من التي قبلها، كما يحصل في أولادنا الذين ننجبهم؛ فأولادنا نسخ أصلية أفضل منا ويحملون نفس القدرة الإنتاجية.
الفكرة الثالثة: الفكرة كائن حي، بمعنى أنه يحمل صفتي (الحركة والتكاثر) وهكذا فالفكرة تحمل في ذاتها قدرة الاندفاع الذاتية، لذا يجب علينا ألا نزهد بأي فكرة ندلي بها في أي وسط إنساني واعٍ.
والقرآن اعتبر الكلمة الطيبة كائنا حيا (كشجرة طيبة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها).
الفكرة الرابعة: هناك في عالم الأفكار قانون (النمو أو الفناء الذاتي) فالفكرة السيئة فيها خلل كروموزومي، يقودها إلى وضع سرطاني فتنمو إنما بشكل شاذ، مما يودي بها في النهاية إلى حتفها (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة). خلافاً للفكرة الجيدة التي فيها صفتا (الخيرية والديمومة) وهي فكرة قرآنية مكررة بدون ملل (والآخرة خير وأبقى)
الفكرة الخامسة: اعتبر القرآن أن العاقبة هي للأفكار الصالحة فهي التي ستبقى؛ في حين أن بقية الأفكار السيئة تمتاز بالجزئية وعدم الصمود مع عنصر الزمن (فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض). هكذا سقطت الشيوعية ومضت الفاشية وانقرضت النازية وهلكت البعثية؛ فهو قانون تاريخي صارم.
الفكرة السادسة: الكون يقوم على مبدأ التعددية فالجبال مختلف ألوانها، والألسنة متعددة، والشعوب متباينة، والأفكار متضاربة، وهذه القاعدة متأصلة في الوجود، وعلى أساسه تمت برمجته (ولذلك خلقهم) فهو جل جلاله لو أراد جعل الناس أمة واحدة، ولكنه خلقهم مختلفين حتى تبقى الحياة في حالة صحة ونمو وحركة ومدافعة ويقظة.
وكما أن العقم ليس حالة مستعصية في كل الأحوال وبشكل مطلق، وثبت علمياً أنه يمكن معالجة العقم كي يصبح منتجاً، كذلك العقول والأفكار واللقاءات.
قد يحصل اجتماع وتبادل آراء بين العُقماء، ولكنه من نوع تبادل الجهل، وكثير من الاجتماعات هي في الواقع إما في صورة (مجاملات) أو إذا حصل خلاف في الرأي حدث (نزاع)، فكثير من الناس يدرجون في لقاءاتهم على الانعكاس على أحد طرفي علاقة مشؤومة هي (مجاملات - منازعات) وبذلك يتعطل الجهد العقلي في هذا اللقاء فلا يثمر.
إن جو المجاملة في البحث يعني بكلمة أخرى التهرب والالتفاف حول الموضوع، والاحتفاظ بالخنادق الفكرية، وبذلك لا تتعرض الأفكار للتجلية والتمحيص، وبالتالي النمو والبلورة، فهو تهرب لبق من البحث تحت ضغط فكرة: إن البحث سيقودنا إلى النزاع واختلاف القلوب، ولذا وحفاظاً على علاقاتنا الشخصية يجب أن نتجنب البحث الجدي والحوار الفعَّال. وهو أسلوب ضار وغير فعال وضبابي غير منتج كما نرى.