من المسلم به أن المفهوم العام للثورات هو التغيير الإيجابي في أكثر الأحوال - وقد يأتي سلبيا في حالات قليلة -، فالثورات عبر التاريخ تبدأ بتغيير سياسي وتنتهي بثورة فكرية وصناعية. ومع أننا في مرحلة مخاض وثورات، يرى البعض أنها "نجحت" في بعض البلدان العربية مثل مصر وتونس، إلا أن هذا "النجاح" لم يتعد تغيير القيادة السياسية، ثم الدخول في سجالات بين عدة أطراف يحلم كل منها منذ عقود بدور سياسي قد يكون من حقها أو قد لا يكون. بل إن أحد الأصدقاء العائدين من مصر يؤكد أن بعض الطلاب والطالبات امتنعوا عن دخول محاضراتهم الدراسية بحجة "الثورة" ضد أعضاء هيئة التدريس والمطالبة بإبعادهم والبحث عن مدرسين جدد حسب "مزاج" هؤلاء. فمفهوم الثورة في نموذج كهذا تحول من فعل ثقافي واجتماعي وسياسي إلى ما يشبه الابتزاز لما يخدم المصلحة الشخصية أو الآنية أو الشعور بالانتصار للذات دون أي قيد نظامي. وهذه في نظري أخطر المزالق التي ستخرج أي ثورة عن هدفها الأسمى وهو التغيير إلى الأصلح، حيث يتغير مسارها إلى مجرد ديكور شكلي قد ينتهي إلى ما هو أسوأ سياسيا واجتماعيا وثقافيا.

إذن، أين سيكون موقع الثورة الفكرية، في ظل هذه الثورات؟ هل هناك بوادر تحول فكري وثقافي ناهض، أم أن المسألة ستبقى في خط السباق المحموم على التأليف المرتجل لأعمال فنية (مسرحية وفيلمية) تهاجم الأنظمة السابقة لمجرد الهجوم دون عمق فكري، واستغلال الحالة الانتقالية لجذب انتباه الجمهور ووسائل الإعلام لمن ينتج وينفذ هذه الأعمال؟.

ولأن الوقت هو وقت التساؤل فإنني لن أزيد في هذه المساحة على مجرد طرح تساؤلات قد تدور في أذهان كثيرين ومنها: هل سنرى مبدعين وعلماء يعودون إلى أوطانهم ليساهموا في بنائها علميا وتكنولوجيا ويجسدوا الثورة فكريا، بعد أن هاجروا إلى مختلف دول العالم بحجة التضييق عليهم وعدم وجود مناخ علمي جاد؟.

إلى أين سيذهب مفهوم حرية الفكر والإبداع؟ وهل ما كان يعتبر قيودا في ظل الأنظمة السابقة سيصبح من الماضي، ونرى أعمالا إبداعية لا يُجر أصحابها إلى المحاكم؟.

شخصيا أشك في كل ذلك، بل أتوقع أن تزداد المحاكمات وربما المصادمات الفكرية، لأن البنية الفكرية والاجتماعية لكثير من فئات المجتمعات العربية، ما زالت ترى أن أول وسيلة للتعبير عن الرأي، هي سلب حياة المخالف، وبأقصر الطرق (القتل).

فهل هناك من يستطيع قيادة ثورة عقول قبل أن يقود ثورة ميدان؟.