في الصفحات الأولى من كتاب مذكراته المبهر (تقرير إلى غريكو)، الذي كتبه ليكون كلمته الأخيرة، وهو في سنوات عمره التي شعر أنها آخر ما تبقى له، يقول نيكولاس كازانتزاكس: "أنا لم أتعب، لكن الشمس غربت". وكم هي حارقة صرخته هذه، إنه يهتف بأقصى ما بحوزته من الألم، إنه لم يتعب من خوض الحياة، كما فعل دوما، لكن شمس حياته هو أوشكت على الغروب، انهمر بهذه العبارة من أعمق ما يعنيه خذلان الجسد للمسنين، من الإحساس بالقصور والخيبة؛ إن في هذا العالم أماكن وتجارب، ما عاد بوسعه القفز إلى غمرة سيولها، ولا العبور من ضفة إلى ضفة. هذا أقسى ما يمكن أن يؤلم أي فنان آمن طيلة عمره بجذوة الحياة!.
• كازانتزاكس، أو زوربا، أو أنتوني كوين.. ثلاثة متطابقون تماما، لا لا، ليسوا ثلاثة، إنهم واحدٌ له ثلاثة أبعاد. كازانتزاكس هو الروائي اليوناني العظيم، الذي صار مجدا لليونان، مثله مثل حكايات آلهتها وحروبها وملاحمها وأغنياتها، التي توالدت منها تواريخ هنا وهناك في كل صقعٍ من أصقاع العالم. كازانتزاكس قبره اليوم مزارٌ كبيرٌ للسوّاح، لمعتنقي الكلمات والفن من أنحاء المعمورة. لا أحد يذهب لليونان ولا يسأل.. أينه كازانتزاكس!.
زوربا.. هي الرواية الأشهر لكازانتزاكس، التي انفجر فيها كطوفانٍ عارم، ليقول إن الانحياز للحياة مهما كانت قاسيةً ومليئةً بالهزائم، هو أكبر شجاعة يمكن أن يتحلّى بها المرء، وزوربا كان تلك الشخصية الشجاعة. كان يرقص ويقهقه ملء الدنيا حتى وهو في جحيم شقائه.. هذا الزوربا التقى بالمهندس الأنيق والمتعلم، ابن المدينة، لكن تعليمه وشهاداته لم تكن شيئا يذكر أمام تجربة زوربا الضخمة بهذا الوجود. مرة اشتكى هذا المهندس ألمه لزوربا فأسكته فورا وقال بسخرية "ما الذي تعرفونه أنتم عن الآلام!"، وأخيرا تعلم هذا الشاب درسا؛ حين فشل مشروعه، طلب من زوربا أن يعلمه الرقص، فصاح هذا الأخير والحياة تتطاير من عينيه "هل قلت رقص؟".
http:// www.youtube.com/watch?v =UaCXyr8VT7I
أنتوني كوين.. الممثل الأمريكي الشهير، الذي أدى دور زوربا حين تحولت تلك الرواية وتلك الشخصية إلى واحد من أعظم ما أنتجته السينما العالمية. أنتوني كوين لم يكن يمثل، كان هو زوربا بالتمام، بعمقه وجنونه وهيبته.. برقصه الذي صار بصمة لليونانيين في كل مكان، وانظروا للرابط، ترونه كيف وهو بآخر حياته يرقص فوق أحد المسارح كحصان لم يتعب من أي حرب قط!.