أشقاؤنا في مجلس التعاون الخليجي لاشك عرب ومسلمون وعاداتنا وتقاليدنا نحن وهم تكاد تكون واحدة، وبيننا وبينهم مصاهرة وشراكة ومحبة قبل قيام مجلس التعاون وتمت تقويتها وتعميقها وتطويرها بعده. إخواننا في دول مجلس التعاون الخمس ينظرون للمملكة نظرة احترام وتقدير وإكبار، فهي بالنسبة لهم الأخ الأكبر والشقيق الأقدر، ومما يعمق هذه النظرة تشابه الأنظمة السياسية، وتشابه الحياة الاجتماعية، فضلا عن المصالح المشتركة والمصير الواحد، وتتويجا لجهود ومواقف المملكة القيادية كانت هي العنصر الأساس في قيام المجلس، وهي كانت الركن الركين والمدافع الأمين في أزمة الكويت، وهي صاحبة اليد الطولى في حفظ أمن البحرين وقيادة بقية الأشقاء في درع الجزيرة.

ما تقدم مميزات معروفة، وهناك ما هو أكثر منها وأعمق وأوسع وأشمل، لكن بيننا في المملكة وبين أشقائنا في الخليج بونا شاسعا وهوة كبيرة في أمور صنعنا منها قضايا وهي ليست بذات شأن، بل إن أشقاءنا في الخليج وهم يشتركون معنا في الدين واللغة والعادات والتقاليد، يتعجبون من أننا مازلنا نلت ونعجن في هذه القضايا التي تجاوزوها منذ نصف قرن على الأقل، بل لعلها عند كثير منهم لم تكن قضايا أصلا، ولم يناقشوها أو يحتاروا أمامها، حيث لم يجدوا لها سندا يجعل منها قضايا لا في دين ولا عرف ولا عادة ولا تقليد.

خذ مثلا، ممارسة المرأة للبيع في الأسواق والمطارات، وقيادتها للسيارة، وتوظيفها في الشرطة وفي كل الإدارات الحكومية، وترافعها كمحامية في المحاكم، وغير ذلك من شؤون المرأة، هل تجد في أي دولة خليجية من الدول الخمس في مجلس التعاون من يناقش مثل هذه الأمور، بل هل تلمس في أي دولة من هذه الدول مشكلة واحدة اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا بسبب هذه الأوضاع الطبيعية التي يعيشونها منذ عقود؟ لا شيء من ذلك. حسنا هل رأيت أو سمعت عن امرأة خليجية من أخواتنا في الدول الخمس تشكو من هذا الواقع الطبيعي الذي تعيشه؟، وهل قرأت أو سمعت عن رجل واحد من آبائهن أو إخوانهن أو أزواجهن يشكو من عملها أو اختلاطها أو قيادتها للسيارة أو، أو... إلخ؟ لا شيء من ذلك، فلماذا الشقيق القدوة والأخ الأكبر في مجلس التعاون (المملكة العربية السعودية) الذي أصبح عضوا في مجموعة العشرين، مازال يعيش في أسر تلك القضايا الهامشية التي لا أصل لها في دين ولا عرف ولا عادات ولا تقاليد، فضلا عن أنها حقوق طبيعية لنصف المجتمع من المفروض ألا يحتاج أحد للمطالبة بها ولا حتى مجرد التفكير في الحرمان منها؟

أسأل وأنا أعرف أن هناك أصواتا ترتفع مطالبة بتصنيع أقفاص حديدية محكمة لحبس الدرر المصونة داخلها، لكنني أعرف أيضا أن الملك فيصل – رحمه الله – لو استجاب لهذه الأصوات لما كان لدينا خولة الكريع وثريا عبيد وغيرهما من النساء السعوديات اللواتي أصبحن مفاخر عربية وليس سعودية فقط، بل لو أن الملك عبدالعزيز – طيب الله ثراه – استجاب لهذه الأصوات لكنا في غياهب جب التخلف اقتصاديا وتكنولوجيا واجتماعيا، ولهذا أقول بوضوح وألم إنه لا يليق بمكانتنا كشقيق أكبر في الخليج، ودولة ذات ثقل في العالم كله أن نظل نناقش هذه القضايا التي – وهو الأكبر إحراجا لمكانتنا – تجاوزها إخواننا وأشقاؤنا في الخليج، بل لم يشعروا بها منذ نصف قرن على الأقل، أليس هذا الوضع محرجا لنا غاية الإحراج؟

وقبل أن تجيب على السؤال تذكر أنك لا تستطيع ولا تجرؤ أن تفصل زوجتك أو ابنتك أو أمك أو أختك عن شقيقاتها الخليجيات العربيات المسلمات المحترمات، وليس من العقل ولا الدين ولا العرف أن تفعل ذلك، أما إن كنت ما زلت تشك فعليك أن تسأل كيف سينضم لمجلسنا التعاوني العتيد شقيقاتنا وأشقاؤنا في الأردن والمغرب، وماذا سيقولون عنا في المملكة وهم يروننا نتصارع حول مواضيع لا تثير في أنفسهم سوى سؤال واحد هو: في أي زمن يعيش هؤلاء؟ الآن أجب لو سمحت!