يقول لي وأنا أثق فيما يقول: تركت عملي بالاستقالة المبكرة في نهايات عام 2005، لأن من حولي كان من يدفعني إلى مفترق الطرق المخيف: إما أن أكون جزءاً من منظومة الفساد، ومتناغماً مع هذه العجلة الضخمة في دورتها الإدارية التي تسرق وتنهب، وإما أن أكون آلة مواجهة أمام هذه – العجلة – ثم أدخل معها في حروب استنزاف مكلفة. يواصل: أتذكر أنني في الليلة السابقة لتقديمي ورقة الاستقالة، ذهبت سراً لمكتبي وجمعت عشرات الأوراق الرسمية التي تدين مفاصل هذه المنظومة الفاسدة وكنت مع الزمن أعمل معهم مثل – جاسوس – يتلصص على أوراق الفساد ويجمع الأدلة، وللأسف الشديد أن يسيطر على ذهني أنني – جاسوس – أو – لص – لا لسبب إلا لأنني أجمع أوراق الإدانة والاختلاسات، ومؤسف جداً أن تشعر أنك اللص لأنك تجمع أوراق محاربة الجريمة. وحين أودعت أوراق استقالتي للمسؤول لم يلتفت أحد ولم يودعني أحد بكلمة واحدة. عدت لمنزلي وكان الملف – الأزرق – تحت سرير نومي لأسابيع وشعرت شعور من ينام فوق – صلَّة – الثعبان. حائر لا أعلم كيف أفعل بهذا الملف الخطير، وفي نهاية الأمر ذهبت به كاملاً بعد أشهر لذات المسؤول الذي أودعته استقالتي ذات يوم. شعرت أنني بين خيارين: إما أن أخون العشرة الطويلة التي امتدت لسنين مع هذه المنظومة بكل ما لهذا من تبعات قد أضمن نتائجها وقد لا أضمنها وأكثر من ذلك قد أكون – المدان – وقد يقلبون الطاولة على رأسي مثلما هشموه من قبل حتى أجبروني على الاستقالة، وإما أن أخون أمانة المال العام بالإخفاء وهذا ما فعلت، لأنني في نهاية الأمر مؤمن أن المسمار لن يوقف العجلة. وهؤلاء الذين لم يودعونني بكلمة ولم يتذكروني خلال أشهر من البقاء في البيت هم أنفسهم من هب ذات المساء حين قدمت لرئيسهم الملف هم من أتى جماعة لمنزلي ليطلبوا واجب التكريم وحفلة الوداع. كل ما فعلته أنني أقسمت لرئيسهم على انفراد أنني لم أعد أحتفظ بورقة واحدة.