من يملك التقنية يملك القوّة، لأنه باختصار يسيطر على الواقع ويتحكم فيه. التقنية تمثل قوّة هائلة مقارنة بالقدرة البشرية العادية. منذ بداية التاريخ كان اكتشاف التقنية يؤدي إلى تحول هائل في حياة الناس. فدخول الإنسان في العصر الزراعي والصناعي جاء نتيجة اكتشافه لتقنيات نراها اليوم بسيطة ولكنها أحدثت تحولا هائلا في حياة البشرية. المحراث مثلا مكّن الإنسان من السيطرة على الأرض وتطويعها له. تحول الإنسان من كائن ينتظر الطبيعة لتجود عليه بالغذاء إلى "فاعل ومتحكم ومسيطر" بسبب امتلاكه للتقنية التي تحتوي في داخلها على قوّة مفارقة للقدرة البشرية العادية، أقصد قدرته الجسدية والذهنية. أصبح الفرد الواحد يملك، بالتقنية، قوّة عشرات أو مئات الحيوانات أو البشر. بمكينة ري واحدة ملك الفرد عشرات الأحصنة أو عشرات العبيد.

إلا أن التقنية ـ ككثير من القوى الأخرى ـ كانت في يد طبقة معينة بسيطة واستخدموها في السيطرة على البشر الآخرين. الإقطاعي الذي يملك الآلات الزراعية استعبد الآخرين ليعملوا لديه وتحت سيطرته. صاحب المصنع الذي يملك الآلات سيطر على الناس وجعلهم يعملون من أجل ثرائه ورفاهيته. الدولة التي تملك التقنية تملك القوة. لاحظ اليوم سباق الدول على تصنيع وشراء التقنية الحديثة. قلنا في مقال سابق إن الدولة المملوكية خسرت الحرب أمام العثمانيين بسبب تخلفهم في التقنية وعدم حصولهم على الأسلحة النارية.

ماركس من الفلاسفة الذين فسروا التاريخ البشري انطلاقا من ميزان القوى بين الأفراد والطبقات. بحسب ماركس فإن الدولة على مدى طويل من التاريخ البشري كانت مؤسسة تحتكر التقنية وتمارس سلطتها لخدمة الطبقة الحاكمة. ولكن مع الديموقراطية أو الدولة الحديثة تحولت مؤسسة الدولة إلى مؤسسة في خدمة العموم على الأقل نظريا. مع هذا التحول حدث تحول كبير في علاقة السلطة والقوة أيضا. فيما قبل الدولة الحديثة كان المسيطر، لنأخذ الإقطاعي هنا مثالا، يبرر التفاوت بينه وبين الآخرين بأنه أفضل منهم. فهو ينتمي لعرق أعلى أو طبقة أعلى أو يخدم إرادة إلهية أعلى. مع الدولة الحديثة والاقتصاد الرأسمالي أصبحت العلاقة كالتالي: أنت تعمل عندي لأني أملك المال وأنت لا تملكه، لأني أملك التقنية وأنت لا تملكها. هنا دخلنا، حسب ماركس، في حقبة مختلفة اتضحت فيها الصورة أكثر وقفز الوعي البشري مساحة هائلة للأمام ليحلل ويفهم سر التفاوت بين البشر والظلم والجوع. انطلقت مع هذه المرحلة اللعبة المكشوفة: املك التقنية تملك القوة.

ضمن هـذه المعادلـة نشـأت ـ على مستوى العالم ـ فلنقل في القرون الثلاثة الماضية، قوى معينة تسيطر على أغلب المجتمعات. الدولة التي تمثل القوى السياسية، رجال المال الذين يمسكون بعصب الاقتصاد، رجال الدين الذين يسيطرون ويؤثرون باسم الله وطبقة الإعلاميين الذين يمسكون بأداة تقدم المعلومات والأفكار للناس ويساهمون بقوة في تشكيل الوعي أو تزييفه في كثير من الأحيان. لاحظ هنا أن كل هذه الطبقات لا تمثل إلا نسبة محدودة من البشر. القطاع الأكبر خارج اللعبة. موضوع لا فاعل. مستقبل للتأثير وغير مؤثر. تتحرك جموع الجماهير والناس حسب ما تريد لها القوى المسيطرة وفي الغالب أن يتم استغلالهم لصالح القوى المسيطرة. فالقوى السياسية ترمي بهم في أتون الحروب من أجل مصالحها الخاصة. والتاجر يضاعف ثرواته على حساب جوعهم وفقرهم. رجل الدين ـ غالبا ـ ينعم بالمال والسلطة باسم الجنة والنار، فيما يعيش الناس في الخوف والأمراض النفسية والوساوس بسببه. ورجل الإعلام يقتسم الكعكة ويقدم الجمهور على طبق من ذهب للقوى المسيطرة.

الذي يحدث اليوم ويؤدي بنا إلى تغيير غير مسبوق هو أن احتكار التقنية تم كسره. ولأول مرة في التاريخ يتقاسم الناس بل ويتغلبون على تلك السلطات في تملك التقنية، بل وفي إنتاج المعرفة وترويج المعلومات. اليوم لم تعد المعلومة تمر بمصفاة السلطة. المعلومة تنتقل من الفرد للفرد. لأول مرة في التاريخ يتحدث المسحوقون مع بعضهم مباشرة عن طريق التقنية. مصفاة السلطة التي كانت تعزل المعلومات الضارة لها وترمي بها للنسيان انتهى عصرها. الآن الناس يتداولون معلوماتهم دون وساطة أحد. كانت الثورة التونسية والمصرية اختبارا هائلا وضخما لهذه الحقيقة. الدولة، التي لا تزال تفكر بالمنطق القديم، راهنت على التالي: نحن نتحكم في عملية حركة المعلومات وبالتالي الوعي ونستطيع أن نشكل الواقع كما نريد. اقطع الإنترنت والاتصالات. كانت هذه وصفة الحكومة التونسية والمصرية. ولكن العالم غير العالم، ففضاء المعلومات لم يعد ملكا للدولة، فالأفراد لديهم وسائلهم الأكثر تقدما.

العالم كله يسير بسرعة هائلة في اتجاه المزيد من التقنية المذهلة القدرة والمخصصة للأفراد. الأفراد اليوم هم هدف مصنّع التقنية، هم الجهة المربحة التي تستحق الرهان والتفكير في صالحها. المصنّع اليوم يفكر كيف يرضي الأفراد ويضع الآلة في خدمتهم. على ذات الخط وبذات السرعة تتغير موازين القوى ويدخل العالم في حقبة تاريخية جديدة. أهم ملامح هذه الحقبة برأيي تتمثل في دخول الأفراد في الوجود الحقيقي والفعل والتأثير. كعرب لسنا مؤهلين لذلك حتى الآن فنحن ورثة تاريخ هائل من عزل الأفراد وتنحيتهم ومعاملتهم كتوابع وهوامش. ولكن اليوم هذه الكائنات التي طال سباتها تستيقظ لتجد أمامها مسؤولية كبرى في صنع حياتها وخياراتها ووجودها الحقيقي. نرى هؤلاء اليوم في تونس ومصر واليمن وسوريا وليبيا وهذا تأثيرهم ينتقل لإسبانيا وأمريكا وأصقاع الأرض.