تضمنت خطة التنمية التاسعة للدولة، العديد من الاستراتيجيات والأهداف والسياسات العامة، لتحقيق الارتقاء والنهوض النوعي بالتعليم، ومن ذلك على سبيل المثال: تطوير النظم الإدارية ومكوناتها والحد من المركزية، وبناء مناهج تعليمية متطورة، وتحسين الكفاءة النوعية للعناصر البشرية التعليمية .

وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف وهذه السياسات، قامت وزارة التربية والتعليم بالعمل على تنفيذ العديد من مشاريع التطويرالنوعي للتعليم، كما قامت الوزارة أيضاً بإصدار العديد من القرارات التي تصب في تحقيق أهداف خطة التنمية التاسعة ومن أهمها: إعطاء استقلالية أكثر لإدارات التربية والتعليم والحد من المركزية، بالإضافة إلى دمج بعض الإدارات، وتحديث الهياكل التنظيمية وتفعيل إدارة المراجعة الداخلية، بالإضافة إلى قرارات تعليمية مهمة مثل قرار تعليم اللغة الإنجليزية في الصف الرابع الابتدائي.

وبالرغم من أهمية هذه القرارات التي تصب في مصلحة النظام التعليمي في المملكة إلا أن هنالك بعض ردود الفعل المعارضة لها، ليست ضد القرارات التعليمية فحسب،بل حتى الإدارية منها، بالرغم من اعتراف التربويين أنفسهم بأن هناك مشاكل إدارية تعاني منها إدارات التربية والتعليم، ولطالما رفع البعض شعار "نحن تربيون ولسنا إداريين" عندما تواجههم بعض الإشكاليات الإدارية.

وسواء كانت هذه المعارضة للقرارات، إدارية أو تربوية، إلا أن هناك قواسم مشتركة لهذه المعارضة، أهمها يتمثل في الخوف من المستقبل، وبالتالي وضع عقبات وهمية غير موجودة على أرض الواقع، الهدف منها إلغاء مثل هذه القرارات وبالتالي إبطاء عملية التطوير النوعي للتعليم، والتي تضمنتها خطة التنمية التاسعة.

ولنأخذ على سبيل المثال قرار تدريس اللغة الإنجليزية بدءا من الصف الرابع الابتدائي، وموضوع السماح بتدريس المعلمات للصفوف الأولية للبنين، فقد ثار جدل حول هذين الموضوعين بالذات، وكُتب فيهما الكثير من المقالات والمواضيع.

وحتى نستطيع فهم جميع وجهات النظر المعارضة والمؤيدة على سبيل المثال لتعليم اللغة الإنجليزية، فمن الضروري البحث في أسباب هذا القرار في البداية، ومن ثم تحليل الآراء المعارضة له.

فمن المعلوم أن تطوير مناهج اللغة الإنجليزية، يعد من المشاريع التعليمية المهمة في المملكة، كما لا تخفى على الجميع أهمية تعلّم هذه اللغة في الوقت الحاضر لارتباطها الوثيق بالعلوم الحديثة، وأعتقد أن الجميع لا يختلف على أهمية هذه اللغة، وبالتالي فإن عملية تطوير مناهج اللغة الإنجليزية خاصةً في المرحلة المتوسطة والثانوية سوف تلقي عبئاً ثقيلاً على الطلبة في هذه المراحل وخاصةً إذا علمنا أن هناك ضعفاً في تعلمها، وبالتالي يتطلب الأمر أخذ مبادئ هذه اللغة في المرحلة الابتدائية حتى يستطيع الطلبة في المرحلة المتوسطة والثانوية استيعاب المنهج المتطور لهذه اللغة، هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى، فإن مادة اللغة الإنجليزية كغيرها من المواد التعليمية مثل الرياضيات والعلوم والتاريخ والجغرافيا، ينبغي تدريس مبادئها وأساسياتها في مرحلة مبكرة من عمر الطالب، وكما قيل في الماضي " العلم في الصغر كالنقش في الحجر" .

هذه في اعتقادي الأسباب الرئيسة لتعليم اللغة الإنجليزية في سن مبكرة، ناهيك عن وجود مشكلة تعاني منها غالبية قطاعات التعليم، ألا وهي الضعف الواضح في اللغة الإنجليزية في كثير من خريجي التعليم العام والعالي وكذلك بالنسبة للموظفين العاملين في القطاع العام والخاص.

أما بخصوص المعارضين لتعليم هذه اللغة في سن مبكرة، ففي الحقيقة لا يوجد سبب واضح لهذه المعارضة سوى الخوف من المستقبل كما ذكرت آنفاً، ولكن لو عدنا إلى الماضي قليلاً فقد تتضح الصورة لنا أكثر.

ففي الماضي حرّم البعض تعليم اللغة الإنجليزية لأنها ذريعة للوقوف على العقائد الباطلة والعلوم الفاسدة، وفي ذلك ما فيه من الخطرعلى عقائد المسلمين وعلى أخلاق أبنائهم، ثم جاء بعد ذلك من يقول إن تعليم اللغة الإنجليزية الهدف منه صرف الأمة عن إسلامها وتراثها بالتدريج، لأن تراث الأمة كله باللغة العربية، واليوم هناك من يخاف بالفعل من التأثير السلبي على اللغة العربية، وقلة ترى أن في ذلك أهدافا تغريبية.

إن تلك الحجج السابقة التي أدلى بها البعض، هي في الواقع حجج ظاهرية، ولعلهم متأكدون باطناً من أنها لا تنافي الدين، ولا تؤثر على اللغة العربية، ولكن ما يخشونه هو التجديد والتغيير الذي يصاحب التعليم.

وما ينطبق على اللغة الإنجليزية ينطبق أيضاً على تعليم المعلمات للصفوف الأولية من البنين، فيرى البعض أن ذلك ما هو إلا خطوة تدريجية لإقرار الاختلاط فيما بعد في جميع مراحل التعليم، وكأن التاريخ هنا يعيد نفسه ففي السابق عارض البعض تعليم البنات، وقالوا إن مجرد تعليم المرأة القراءة والكتابة يؤدي إلى فسادها وخروجها عن الطريق، والـيوم يقول البعض: "الإسلام لا يمنع المـرأة من طلب العلم، وهو الذي يدعوها إليه، بل يفرضه عليها" ، وعليه فإنه أيضاً لا يوجد مانع شرعي من تعليم المعلمات للبنين وخاصةً أنهم لم يبلغوا الحلم بعد، وهم يقرّون بذلك، ولكن ما يتخوفون منه أن يكون ذلك ذريعة للاختلاط في المستقبل، ولكن لو ركزّنا على السبب الحقيقي وراء السماح بتدريس الصفوف الأولية لوجدنا أن هناك ضعفا في تدريس الصفوف الأولية من قبل المعلمين وأن المرأة أفضل في تدريس هذه الصفوف وخاصةً أن الطفل أقـرب للمرأة من الرجل وهذا هو السر في اعتقادي لتفوق الـطالبات دراسياً على الذكور من الطلبة.

وعلى كل حال فإن الناس اليوم زاد وعيهم ويدركون جيداً أهمية التعليم، وهم يريدون تحقيق أفضل تعليم لأبنائهم وبناتهم وضمان حياة أفضل لمستقبلهم، فلا نقف حائلاً دون تحقيق ذلك لمجرد مخاوف لا حقيقة لها على أرض الواقع.