للبعد التاريخي أثر كبير في حياتنا البشرية، فهو بمثابة الصورة التي نتعرف بها على الماضي، لنقرأ وقائع المستقبل من خلال المرآة التاريخية، فتتبع التاريخ أمر أساسي في دراسة أي حالة، حتى الحالات المرضية لا بد أن يكون فيها الطبيب على دراية بالتاريخ المرضي. وعلم التاريخ كما يقول عنه عبدالرحمن بن خلدون هو "نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق". وعلى الرغم من تشابه الحوادث التاريخية على اختلاف المواقع والأزمنة، إلا أن التاريخ بطبيعة الحال لا يعيد نفسه، وإن أعاد نفسه ففي المرة الأولى يكون الأمر مأساة وفي المرة الثانية يكون مهزلة، كما هي المقولة الشائعة لماركس.
وعت المجتمعات البشرية قيمة التاريخ منذ القدم، وحاولت من خلاله الاحتفاظ بهويتها الثقافية، إلا أن الخطأ البشري المؤثر هو إعادة إنتاج الأخطاء وعدم الاستفادة من دروس التاريخ، فنحن لا نستفيد كثيراً من دروس التاريخ، ربما لأننا لا نقدر قيمته ولا نقرأ ما بين سطوره، وبالتالي تجد المجتمعات نفسها في أتون الأزمة نفسها عدة مرات دون تجاوز للأخطاء التي يعاد إنتاجها بشكل متكرر مما يجعل الأمر غير مقبول، إلا أن الأزمات الحقيقية تحدث حين لا يستفاد من التاريخ كعلم - رغم تكرار قراءته والاعتناء به - إذ ليس الأمر مجرد جمع وترتيب للمادة التاريخية بقدر ما الأمر متعلق بإعادة قراءة التاريخ وإعادة الطرح والكتابة إن لزم الأمر وفقاً لمنهج علمي بحت.
ونجد أن استخدام الإنسان لعقله هو المحرك القوي لمجريات التاريخ وللأحداث التاريخية، سواء كانت دوافعها اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، ولذلك نجد أن الفرص تتقلص حين لا نهمش التاريخ كعلم أو فلسفة، بل إن التغييرات الاجتماعية المتعلقة بالقيم والموروثات الثقافية يكون للوعي الاجتماعي بالتاريخ دور في سيطرتها على العقل الجمعي، وبالتالي فإن الشعوب التي ترنو للتقدم يفترض بها أن تركز النظر في دراسة التاريخ، أي إلى فحصه ونقده، وعدم تجاهله بالثبات والجمود.
وبما أن التغير والتبدل سمة الحياة، فإن التاريخ يتغير باستمرار غير أن موضوعه العام-مهما تكن التفاصيل- هو الإنسان. فالإنسان والتاريخ عنصران مرتبطان ارتباطاً وثيقاً بدفة تدار بطريقة الصراع الحتمي، سواء الصراع بين البشر أنفسهم أو الصراع بين البشر والطبيعة، في مراحل مختلفة يكون عنوانها التحدي، كما يرى أرنولد توينبي في فرضية (التحدي والاستجابة)، إذ كلما قبِل الإنسان تحدي الطبيعة استطاع أن يبني الحضارة، وكلما توانى عن قبول التحدي كان ذلك مدعاة لضياع الفرصة في بناء الحضارة البشرية. إلا تراكم أحداث التاريخ يؤدي إلى الاحتقان، ولذلك تحتاج المجتمعات إلى وجود التنفيس الذي يمثل تفريغاً لمكبوتات التاريخ. فالمجتمعات تختزن تاريخها كحالة في لا وعيها، ولكن لا بد أن تأتي حقبة زمنية تنقل كل هذه المخزونات إلى الوعي أو الضمير الجمعي للمجتمع، وربما نجد أن هذه المجتمعات تبحث عن متغير تاريخي تعبر من خلاله إلى مرحلة تاريخية جديدة تصنعها أو على الأقل تشارك بصنعها. ولقد وجدنا في الثورات العربية (في تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا) مثالاً حياً على وصول التاريخ إلى خط النهاية المرحلي، والذي تليه مرحلة أخرى، ويمكن أن نسمى المرحلة المنتهية بمرحلة السد التاريخي، مما يحتم العبور إلى مرحلة أخرى جديدة بكل ظروفها ومكوناتها، والجدير بالملاحظة أن مرحلة العبور هذه من كانت من صناعة الأجيال المكبوتة، وقد لفت نظري عبارة مهمة رفعها الثوار في ليبيا تقول: "من ولد في العواصف لا يخشى الرياح". وهذا يعني أن الأجيال تتعاقب إلى أن يولد جيل لا يرضى بالكبت الذي يعيشه، وخاصة أن هذه الأجيال قد لا تتوافق مع الأجيال التي تسبقها في الأفكار والسلوكيات المتعلقة بالحياة، فهناك ما يعرف بـ"الهوة بين الأجيال"؛ حيث أن الفروق العمرية هي في النهاية نتيجة للتاريخ، لكنها لا تجعل التفاهم صعباً بقدر ما تجعله العوامل الفكرية كذلك، فالسلوك هو نتيجة لما يفكر به الإنسان، ولذلك لا يمكن إغفال أهمية الوعي بالتاريخ، فهو قد يؤدي إلى تغير الرؤية الاجتماعية لمجمل الأوضاع؛ وبالتالي هناك ضرورة للاستفادة من الأخطاء والمزالق التي ارتكبت على مدى التاريخ بدراستها وتجاوزها وبدء مرحلة جديدة تجعل من تلافيها أمراً غير مربك، وذلك باعتبارها درساً مفيداً لا فشلاً ذريعاً، لأن المجتمعات التي تحرص على التقدم تستثمر الفرص لصالحها، فتبدأ بتتبع تاريخها لتأخذ نصيبها مما لها وعليها، فتعطي الأجيال فكرة عامة واقعية لكيفية مسيرة التاريخ بطريقة عملية، فالمتغيرات التاريخية يمكنها أن تعصف بالمجتمعات إذا لم تراعى قضية التغيرات التاريخية التي تحتم تغيراً في الواقع الاجتماعي، وخاصة أن التاريخ لا يكتبه المنتصرون كما يقال بل يكتبه الفعل الحضاري الذي يحدد (موقع) المجتمعات من (الإعراب) من خلال توثيق فعلي ومادي ملموس يتمثل بحجم الدور الذي يشارك به هذا المجتمع أو ذاك في بناء الحضارة.