كثيرا ما نبالغ في بعض أمورنا، وفي بعض جوانب حياتنا اليومية بقصد، أو بغير قصد. والمبالغة مفهوم شامل، وتعني بشكل عام تجاوز الحد المقبول، وقد تصل إلى مستوى الإسراف، أو الإفراط، أو الغلو، أو الإغراق، وقد تكون مبالغة إيجابية، ومحمودة، أو مبالغة سلبية، وغير مرغوبة؛ فالمبالغة قد تعني عدم الاقتصار على الغاية المقصودة، أو الهدف المنشود، أو المستوى المأمول، بل قد تصل إلى الحد الأعلى لذلك، وتتجاوزه، وتزيد عليه من خلال التقصي إلى مستوى أكثر من المطلوب، أو يتعدى المستوى المناسب، والمقبول، وقد يترتب على ذلك هدر للمال، والجهد، والوقت، وقد لا نركز على المبالغة من النوع المحمود، أو المقبول، ونتّجه إلى النوع السلبي في كثير من الأوقات.
وفي أكثر الأوقات يتجه كثير من الأفراد إلى المبالغة غير المحمودة اعتقادا منهم أن ذلك قد يجعلهم يحققون أهدافهم، وتتم تلبية طموحاتهم، مع أنه قد يمكن تحقيق الأهداف المنشودة دون مبالغة، ولا يركزون على المبالغة المقبولة، أو الإيجابية. فقد تكون المبالغة على المستوى الفردي (الشخصي)، أو على المستوى الاجتماعي، أو الاقتصادي، أو الديني، أو السياسي، أو اللغوي، وغير ذلك من المستويات. فعلى المستوى اللغوي قد يكون هناك مبالغة في المعنى بشكل واضح وملموس، بحيث تجعل المعنى الحسن أحسن، وتجعل القبيح أقبح، أو أسوأ مما هو عليه، والأمثلة على ذلك كثيرة في كتب الأدب، والبلاغة، والنقد.
وتتجلى صور المبالغة على المستوى الفردي في الجوانب الشخصية مثل المبالغة في اللبس، والمظهر العام، والتزين، أو الاهتمام بهذه الجوانب بشكل زائد عن الحد المقبول، وغيره من الجوانب الشخصية الأخرى. وتظهر المبالغة وبشكل واضح لدى المرأة أكثر من الرجل. أما في هذه الأيام فقد ينافس الشباب الفتيات على المبالغة في اللبس، والمظهر، والتزين بشكل عام، وهذه ظاهرة دخيلة على مجتمعنا، وبها مبالغة كبيرة، وبحاجة إلى دراسة اجتماعية للتعرف على مسبباتها، وأساليب معالجتها، والحد منها.
المثال الآخر على المبالغة في الجوانب الاجتماعية ما نراه من تبذير وإسراف في كثير من المناسبات الاجتماعية مثل الحفلات، وما يتم فيها من تبذير وإسراف من خلال ذبح أعداد كبيرة تفوق الاحتياج الفعلي من الغنم، أو الإبل، وتكون نهايتها إلى حاويات النفايات، وهذا مثال آخر على المبالغة السلبية. كما أن هناك مبالغات في كثير من الأوقات في عمليات شراء بعض المستلزمات المنزلية مثل المواد الغذائية والفواكه والخضار، وغيرها، فالمبالغة تكون واضحة في هذا المجال عندما يشتري الشخص أغراضه بالجملة (بالكرتون، أو بالدرزن)، بينما احتياجه الفعلي لا يتعدى الكيلو، أو أعدادا محدودة، ومصير ما يتم شراؤه بالجملة التخزين ثم التخلص منه في النفايات بعد فساده، أو انتهاء تاريخ صلاحيته؛ لأنه لا يتم استخدامه في الوقت المناسب. فلماذا لا نترك المبالغة في التسوق وشراء الأغراض الزائدة عن الاحتياج الحقيقي، ونركز على شراء الاحتياج الفعلي؟، ففي الغرب يشتري الشخص ما يحتاجه فعلا لذلك اليوم فقط، فعند الحاجة إلى برتقال – على سبيل المثال - فقد يشتري برتقالتين، أو ثلاث؛ لأنها تمثل احتياجه الحقيقي، وهكذا، أما نحن فنبالغ إلى حد الإسراف، والإفراط، والتبذير.
وفيما يتعلق بالمبالغة عند بناء المساكن فقد تكون واضحة عندما يعمد كثير من الناس إلى عمل مخطط لسكنه على مساحة كبيرة من الأرض، وهذا السكن يشمل العديد من الغرف، والصالات تزيد عن الاحتياجات الحالية، والمستقبلية للأسرة، فنجد أن صالة الاستقبال الرجال (المجلس) تأخذ ثلث مساحة البناء، واستخدامها يكون كل سنة، أو كل سنتين، أو قد لا يستخدمها لفترة طويلة من الزمن في ضوء الانتشار الكبير للاستراحات، والشاليهات، ولنا أن نتصور ما يترتب على ذلك من مصروفات للتشطيب، وما فيه من مبالغة، وهنا تتجلى صورة أخرى من صور المبالغة غير المرغوبة، ففي المجتمعات الغربية نجد أن مساحة البيت العادي قد لا تتعدى 6م عرض، و 10م طول، ويكون متعدد الأدوار، وبه موقف للسيارة، ومشب للنار، ومطبخ فسيح، وغرفة نوم رئيسة، وغرف نوم للأطفال، ودورات مياه، ومجلس عائلي، وكل هذه الإمكانات على هذه المساحة، وتم استغلالها بشكل ممتاز بعيدا عن المبالغة. ولا بد أن ندرك أن الأسرة تبدأ بشخصين، وينتهي بها المطاف إلى اثنين بعد زواج الأبناء، والبنات، فلماذا هذه المبالغة غير المبررة في البناء على مستوى الأسرة الواحدة؟، وقد يكون هناك استثناء في هذا الجانب، وقد يكون مبررا، ومقبولا إلى حد ما عندما يبني الشخص مسكنا له ولأفراد أسرته من البنين، والبنات على هيئة أجنحة، أو شقق، أو فلل في مجمع، أو مبنى واحد.
وهنا أرى أنه من الضروري الابتعاد عن المبالغة السلبية في جميع نواحي الحياة، وأن نتعامل مع كافة أمورنا واحتياجاتنا، وإنجازاتنا بنوع من العقلانية، والمنطقية بعيدا عن الإفراط، أو التفريط، أو الإسراف، مع ضرورة العمل على تحقيق التوازن في جوانب الحياة المختلفة، ومع قضايانا، وأمورنا الحياتية، فخير الأمور أوسطها.