في آخر سيل اجتاح جدة فاضت المياه في الساحة الخارجية لمدرستنا بعد أن ملأتها، ففكرنا في رفع أغطية غرف التفتيش لإيجاد مخرج لهذه المياه، وعندما نزعنا الغطاء إذا هو مكتوب عليه الرئاسة العامة لتعليم البنات، كان موقفاً بائساً بالنسبة إليّ، لكن الجيد فيه هو أن المياه اندفعت نحو تلك الفتحات بسرعة شديدة وخففت كثيراً من ضغط المياه على الساحة الداخلية التي حوصر فيها الجميع حتى اليوم التالي.
في الواقع لم تكن مديرتنا تملك صلاحية إيقاف الاختبار ومن ثَم إخراجنا من المدرسة عندما بدأ هطلان الأمطار؛ لذا سررت كثيراً عندما مُنح مديرو المدارس 52 صلاحية، والآن وهي بين يديّ أتأمل بعض هذه الصلاحيات لأقف عندها متسائلة: ألم يكن مديرو المدارس يملكون بعضها من قبل؟ مثل: إلغاء الطابور الصباحي، وتغيير الفصول؟ أما البعض الآخر فهو فعلاً جيد، وهي أربع صلاحيات هن: تعليق الدراسة ليوم واحد، وزيادة اليوم الدراسي ساعة واحدة، واعتماد تنفيذ النشاط المدرسي خارج وقت الدوام، وتخفيض الخطة الدراسية. وبعض هذه الصلاحيات تجدها قد منحت بطريقة شكلية يصبح معها المدير مجرد شاهد إثبات، وتظل إدارة التعليم هي من تملك القرار، ولا أعرف لمَ سميت صلاحية مثل: نقل الطالب الذي يمثّل سلوكه خطراً على زملائه، فبعد أن تقوم لجنة التوجيه بالعديد من الإجراءات تخاطب إدارة التعليم بخصوص نقله؛ أي أن من يملك نقله هي إدارة التعليم وليس المدير!!
كذلك صلاحية نقل المعلم المتسيب، إذ لا يملكها إلا المدير الذي يزيد طلاب مدرسته على 500 طالب، وكأن المعلمين الذين قد يشكلون عقبة في وجه الإدارة الجيدة ويستنزفون طاقة مدير مميز ويشغلونه عن التقدم بمدرسته بمستوى أداء سيئ لا يوجدون إلا في المدارس ذات 500 طالب فأكثر، كما أن هذا المدير لا يحتاج فقط أن ينقل معلماً غير جيد، لكنه يحتاج لاستقطاب معلم جيد إلى مدرسته.
إن ذلك يقودني للحديث عن صلاحيات مدير المدرسة في دولة الكيان الصهيوني إسرائيل، فإسرائيل إحدى الدول المتطورة في التعليم، وجامعاتها تحظى بأعلى المراتب في التصنيف، وهي مثل أمريكا تضع بين فترة وأخرى تقارير بشفافية تحدد فيها درجة قوة مخرجات التعليم، وكما لفت تقرير "أمة في خطر" أمريكا، والتقرير الآخر الذي تم في عهد بيل كلينتون وأعقبه الاهتمام الأمريكي بالرياضيات والعلوم في أواسط التسعينيات، فقد أدى تقرير عن الوضع في إسرائيل إلى إنشاء قوة المهام الإسرائلية عام 2003 التي حملت على عاتقها تطوير التعليم، كما يوضح موقع وزارة التعليم الإسرائيلية، وما يستوقفني من إجراءاتها هو الصلاحيات التي منحت لمدير المدرسة، ومن بينها اختياره لوكلائه وترشيحهم للإدارة في مدرسته، كما أن بإمكانه استقطاب المتميز وإعطاؤه حوافز ليدرّس لديه، وبإمكانه أيضاً الخصم على المعلم المتسيب.
في الواقع، تلك الصلاحيات نتطلع إليها لتكون بيد مدير تم اختياره وفقاً لمعايير عالية، وهذه قضية قد لا تعيها إدارات التعليم التي وضعت شرطاً لترشيح الوكالة هذا العام وهو أن تكون المعلمة الراغبة في الترشيح معلمة تفصيل بناءً على كون التفصيل سيلغى قريباً، فماذا نفعل بمعلماته؟ ويكون الجواب: لنجعلهن مديرات مدارس، للأسف هكذا يفكرون.