أهل اليمن تنتفخ أفواههم بالقات طلبا للكيف والمزاج، وأهل كولومبيا استفحلت في ربوعهم مافيات الهيروئين والمورفين، وفي بلاد الشام عاث الشبيحة في المتظاهرين قتلا باليمين، وحرب العصابات وتصفية الحسابات حول المخدرات تدور في القرن الأفريقي وبحر الكاريبي وتايلاند أشد من حرب القراصنة.

كل هذا من وراء المخدرات المعروفة وامتداداتها من حبوب الهلوسة، كما يلتهمها القذافي وابنه وهم يتجرعون كأس الموت.

وأذكر جيدا قصة ذلك الشاب الشامي الرائع (أنس) الذي هاجر إلى أميركا فاغتنى وتوفق هناك، وملك خمسة مطاعم تدر الربح الوفير حتى ابتلي بالخدر والمخدرات على يد داعرة أميركية هي من علمته على الحش والحشيش وحقن المورفين! ذلك هو الخسران المبين، وحاول صديقي الدكتور النطاسي معاذ إنقاذه ففشل، ومات في النهاية مفلساً بفرط الجرعة من الهيروئين.

وقبل فترة وقع تحت يدي بحث مثير عن نوع جديد من الإدمان (مجلة دير شبيجل الألمانية 12/ 2011) هو ما ذكرته في الفقرة الأخيرة عن سم الأفعى؟

ولكن كيف؟ وهل يمكن لسم الأحناش أن يصبح مورفين؟

ينقل لنا الدكتور ضياء الحق كاتشو (Katshu) من مشفى معالجة المدمنين في مدينة رانشي (Ranchi) الهندية نبأ معالجة مدمن في الخمسينات من العمر ليس بالهيروئين بل بسم الكوبرا!

ونحن نعلم أن سموم الأفاعي تقوم بأثر منوع في القتل مثل انحلال الدم أوشلل الجهاز التنفسي عصبياً، أو معاً فيغرق الإنسان اختناقاً ويهلك.

وأذكر جيداً ذلك الفيلم الوثائقي من برنامج الديسكفري كيف لدغ الثعبان صائده وهو يحشره في الكيس وهي أخطر اللحظات؛ فارتد عليه ولدغه من داخل الكيس، وقال معقبا بعد نجاته إنها حماقة أن يقع الصائد في مثل هذه الأخطاء الأولية من غدر الثعبان وهو ليس بغدر بل يدافع الحيوان عن وجوده!

وحين بدأ في الاختناق بتعطل جهاز التنفس رأينا الحالة مذهولين وكيف نقل الملدوغ على وجه السرعة فحقن بالترياق فنهض من موت! وكان الناس ومازالوا يموتون ميتة بشعة بلدغ الثعبان. وخوف الإنسان من الأفعى أرختها أساطير العهد القديم عن إغواء الحية لحواء، وحواء والحية بريئتان ولكنها الأسطورة.

مع هذا فسم الأفعى أو العقرب فيه فوائد للناس، فقد أظهرت دراسات العقارب في الصحراء الجزائرية التي صمدت لتجربة الانفجار النووي الفرنسي في الستينيات من القرن العشرين احتواء جسمها على مصل مقاوم للأثر النووي أكثر من البشر بـ 300 مرة مما ينفع في كوارث من حجم تشيرنوبل وفوكوشيما.

ولكن الغريب في الخبر الجديد هو الإدمان على عضاض الأحناش ! فيأتي المدمن على جماعة يربون الأفاعي فيدفع لهم المال مثل حقنة المورفين ثم يدفع ذراعه ليتلقمه الأفعى ويحقن السم!

في الواقع تأملت الخبر بتمعن وحذر لمعرفتي الميدانية عن أثر سم الأفاعي القاتل، فسموم الكوبرا تقتل هي وأمثالها 11000 من الضحايا في الهند سنوياً، ويتضاعف الرقم على مساحة الأرض، وهناك مركز خاص أسسه شابان في أميركا اسمه فينوم واحد (Venom 1) للإنقاذ الفوري وعلى التلفون من وصف الأفعى وجاهزية الطيارة والترياق للإنقاذ ولكن بكلفة الدولارات.

وأذكر جيدا هاوي الحيوانات الأسترالي (ستيف ايروين) الشاب الذي كنت أتوقع نهايته على ناب أفعى وسم كوبرا، ولكن الرجل كان في غاية الحذر ويضع على عينيه نظارات سوداء سميكة في غاية الإحكام وهو يخاطب أفعى الصل من بعد أمتار: يا حبيبتي لا تغضبي!

وكانت تبصق عليه من بعيد سمها الهاري الذي يعقبه العمى فيما لو نزل في مقلة العين، حتى قتل بريشة من سمك الراي البحري السام وهو يصور الحياة البحرية لقناة الديسكفري تحت الماء فصادفت قلبه فمات في الرابعة والأربعين في أفضل سنوات الإنتاج.

وهكذا هي سنة الحياة والموت، وكل منا له رصيده في هذه الحياة حتى يستهلكه في لحظة لا ريب فيها ولا رجعة وما من وصية!.

أما أن يدمن الناس على لدغة الكوبرا فهذا ما لم يفعله صائد التماسيح ايروين بذاته، ولكن هذا ما يحصل في بلد العجائب الهند، فقد اعتاد بعض الناس على لدغة الكوبرا التي تدخلهم في غيبوبة لأكثر من عشرين ساعة ينسون فيها ألم اللدغة ويدخلون في حالة من الاسترخاء اللذيذ يجعلهم يعاودون هذه التجربة الممتعة فيدمنون ثم يحتاجون لدخول مشافي الإدمان؟