يستعيد السعوديون اليوم ذكرى تولي خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مقاليد الحكم.. وهي مناسبة جرت العادة أن يتوقف عندها المعنيون بمسار التنمية لرصد الإنجازات التي تمت وتسليط الضوء على المحطات البارزة والسمات المميزة. وكما هو من طبيعة الأشياء، تتعدد الرؤى وتختلف زوايا التناول بحسب اهتمام الناس وتمايز رؤاهم ونظراتهم للأشياء، فكل يطل على المناسبة من زاويته وتركيزه ورغبته في إظهار ما يعتقد أنه الأولى والأجدر بالعناية.
والمهتم بالشأن السعودي يرصد في مسيرة إنجازات السنوات الست الماضية محطات مهمة في سياق مشاريع التنمية العامة التي تعيشها البلاد، فقد اهتمت الدولة بمشاريع التنمية على أكثر من صعيد وفي أكثر من مجال.. ففي مجال الاقتصاد توالت زيادة موازنات الدولة والاهتمام بتوجيه عائدات النفط إلى ما يخدم المواطن، ودخلت مشاريع الطاقة مراحل جديدة استثمرت المليارات في سبيل زيادة قدرة المملكة على توفير احتياجات العالم من الوقود لتكون المملكة داعماً للاقتصاد العالمي ومساهما رئيسا في تدابير الوقوف في وجه الانهيارات الاقتصادية المؤدية إلى الاضطرابات السياسية والقلاقل الاجتماعية. ولم تقف الجهود عند تطوير طاقة النفط بل خطت المملكة في اتجاه سوق الطاقة النووية حين تم إنشاء مدينة الملك عبدالله للطاقة الذرية المتجددة من اجل الإسهام في برنامج التنمية المستدامة من خلال استغلال ثمرات البحوث والصناعات المتصلة بالطاقة المتجددة في الأغراض السلمية. واهتمت الدولة بالمشاريع الصحية والتوسع في إنشاء المستشفيات الحكومية والعمل على تحسين الخدمات والتوسع في دعم المستشفيات الخاصة والعناية بمعالجة الأمراض النادرة والحالات المستعصية حتى باتت المملكة مقصداً للجراحات الدقيقة على أيدي أطبائها المهرة وفي مستشفياتها المتقدمة.. وهناك حراك نشط ومشاريع متطورة في سبيل الرقي بالتعليم العام من خلال برامج عصرية تمكن من تطوير المناهج وتحسين قدرات المعلمين وإيجاد بيئات مدرسية تستطيع أن تؤدي رسالة التعليم بصورة صحيحة.. كما توسعت المملكة في إنشاء الجامعات والمعاهد العامة لاستيعاب الأعداد المتزايدة.. وجاء برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي ليكون مشروعا رائدا غير مسبوق يسهم في ربط أبناء المملكة بالعالم من خلال العلم العصري واللغات والتواصل مع الثقافات المتعددة. ومن المتوقع أن يكون هذا البرنامج إحدى أدوات "تحديث" المجتمع بصورة عملية حين يتقدم خريجو هذا البرنامج إلى الصفوف الأمامية لقيادة مشاريع التنمية الاقتصادية والبشرية والثقافية.. وفي هذا السياق تبرز جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية التي يرجى منها أن تكون "قاطرة" التعليم الجامعي وقائدة الأبحاث التطبيقية الهادفة إلى نقل التعليم الجامعي من حال "التردد" التي عاشها إلى سباق العصر وربطه بالحياة والالتفات إلى ما يعضد الاقتصاد الوطني وينقل ثمرات البحث العلمي من غرف المعامل إلى آلات المصانع حتى يكون مشاركاً حقيقياً في استثمار ثرواتنا الطبيعية.
وكان الاهتمام بالبنية التحتية في أكثر من قطاع جليا، ففي مكة المكرمة والمدينة المنورة شهد الحرم المكي والحرم النبوي توسعات تاريخية كلفت عشرات المليارات وتمت إعادة النظرة في تخطيط المنطقتين المركزيتين بالمدينتين المقدستين، كما اهتمت الدولة بمشاريع الإسكان بهدف تمكين غالبية المواطنين من امتلاك منازلهم خاصة وأن غالبية سكان المملكة من المقبلين على الزواج.. واهتمت الدولة بقضايا الشباب وتحسين دخول الناس من خلال محاربة البطالة، التي ما تزال تؤرق الكثيرين، وزيادة مخصصات الضمان الاجتماعي والصناديق المعنية بتقديم المساعدات للمواطنين وتأسيس مصرف الإنماء بهدف توفير خدمات مصرفية للمواطنين وفتح المجال أمامهم لتملك جزء من رأسماله. ولعل الاهتمام بمعالجة مشكلة مدينة جدة "المزمنة" أحد شواهد التعامل مع قضايا البنية التحية والاهتمام بها باعتبارها الأساس الذي يقوم عليه الكثير من النشاط الحضري.
وقد اهتم خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بالحريات العامة وصيانة كرامة الإنسان وصون حقوقه وحفظ كرامته.. ومازال السعوديون يذكرون تلك اللفتة الراقية في بداية عهده إذ رفض عادة تقبيل اليد التي رأى أنها لا تليق بالنفوس الكريمة حين قال: "إن تقبيل اليد أمر دخيل على مجتمعنا وأخلاقنا ولا تقبله النفس الحرة الشريفة.. ولذلك أعلن عن رفضي القاطع لهذا الأمر وأسأل الجميع أن يعملوا ذلك ويمتنعوا عن تقبيل اليد إلا للوالدين براً بهم". هذه العناية بالكرامة والحرية هي التي تفسر اهتمامه بإنشاء هيئة حقوق الإنسان المرتبطة مباشرة برئيس الوزراء (الملك) بهدف حماية حقوق الإنسان وتعزيزها ونشر الوعي بها والإسهام في ضمان تطبيقها وفق أحكام الشريعة الإسلامية وإلى جانب هيئة حقوق الإنسان قامت الجمعية الوطنية الأهلية لحقوق الإنسان التي سجلت – في فترة وجيزة – فعاليتها ونشاطها وتقدمت بتقارير تؤكد حضورها وعملت على نشر ثقافة الحقوق. وكان الاهتمام بالنزاهة والشفافية ومحاربة الفساد واضحا وجليا من خلال إطلاق حرية الإعلام وتشجيعه ليكون أداة مساعدة في مواجهة هذا الداء الذي ينخر في جسد المجتمع، وتوج هذا الاتجاه بتأسيس الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد وتعيين رئيسها بالمرتبة الممتازة لتكون عين المجتمع على الجهاز التنفيذي حتى لا تهدر طاقات الوطن في مسارب المصالح الشخصية...
وسيحفظ السعوديون لهذا العهد، بالكثير من التقدير، الدعوة إلى إشاعة روح التسامح وثقافة الحوار والاعتراف بالاختلاف ونبذ العنصريات والتواصل مع الآخرين في الدائرة الإنسانية واحترام ثقافة المختلف وحفظ حقوقه واعتباره شريكا في الأسرة الإنسانية الكبرى.