كنت مسافرة من نيويورك إلى فلوريدا، وكانت بجواري سيدة أمريكية ثلاثينية، سألتني: أنتِ عربية؟ أجبتها: أنا من السعودية، قابلت الإجابة بترحاب وابتسامة "عرييييضة"، فحمدتُ الله أنها لا تعير "بن لادن" أي اهتمام ولا هو "في راسها"، حتى فاجأتني بسؤالها: هل تسكنين مدينة دبي في السعودية؟! قلت لها " دبي؟!" ، فقالت: أليست دبي في السعودية؟! عرفتُ أنها لا تعرف شيئا أبدا لا عن السعودية ولا دبي، ولا عن جامعة الدول العربية، وحدودها فلوريدا ومستر بوش الابن، الذي "صدعت راسي" بسخافته!
وهنا أتساءل: هل من المستحيل أن يعرفنا الآخر جيدا؟! هناك همزة وصل مقطوعة بيننا وبينهم!! نحن لا نصلهم بالصورة الصحيحة وغير قادرين على التعبير عن أنفسنا، وطبعا هم يجتهدون كثيرا في التعبير عن أجمل ما فيهم ويقدمونه بنزاهة ومهنية، ولذلك يصلون إلينا جيدا عبر صناعتهم للسينما والبرامج التلفزيونية المتميزة والمتفوقة في إنتاجها، بينما وسائل الإعلام العربية تجتهد كثيرا في تقليدهم، وهكذا نأخذ بضاعتهم لنردها لهم! ونصدر لهم شخصيتنا عبر واقعهم لا واقعنا، ونوهم أنفسنا أننا نعيش حضارتهم فعلا بينما لا نتجاوز كعرب قشرتها، وأنتم ترون اليوم كيف باتت الفضائيات العربية توجد نسخ مقلدة من برامجهم ويستقبلها العقل العربي برداءة، لماذا؟! لأن القنوات العربية حتى الآن غير قادرة على أن تبدع من خلال هويتها العربية وحضارتها وتاريخها، ما يزال لديها تشويش في تكوين عناصر الشخصية العربية التي تتنازعها أسلمة سياسية وسلطة مذهبية مقيتة وسيئة تعزز مفهوم الخرافات والغيبيات المستهلكة للعقل العربي، وبين عصرنة واقعية غربية حضارية مغرية جدا أسستها علمية الحياة ونتائج علومها التي كشفت الكثير من حقيقة الغيبيات والخرافات التي لا تزال "تعشعش" في العقل العربي "الغلبان". سأضرب مثالا بسيطا هنا: البرنامج الأمريكي "لحظة الحقيقة " والذي تابعته بشغف عبر MBC4، ثم تابعت عددا من حلقات البرنامج العربي المستنسخ عنه، فالبرنامج يؤسس رغم الجائزة المادية المحرضة ممارسة الصدق واحترام اعترافات الآخرين، فالاعتراف بالحق فضيلة وبحد ذاته سبب يدفع إلى المسامحة والتكفير عن الخطأ، هذا هو الهدف النبيل الذي استوعبه المشاهد الغربي الذي تجاوز أخطاء الآخرين وفضائحهم، لكن كيف استقبله العقل العربي الذي تعوّد على ثقافة الفضائح والشائعات!؟ أظنه اعتبر البرنامج "لحظة الفضيحة" لا "الحقيقة"، وأتصور بعض المشاهدين العرب "فاتح فمه كمغارة" أمام اعترافات زوجة غازلت مديرها للوصول إلى طموحات وظيفية! أو زوج تحرش بامرأة جميلة غير زوجته! هذا الفرق في الاستقبال للمحتوى يظهر ذات الفرق بين أهداف صناعة النسخة الأصلية وبين المقلدة من البرنامج، أي بين أهداف البرنامج الأصلي في احترام صدق الآخرين والتكفير عن الخطأ بالاعتراف، وبين ثقافة الفضائح كتسلية التي يبحث عنها المشاهد العربي وبالتالي سوق الإعلان!
أخيراً، أُحيّ القائمين على البرنامج وأتمنى أن يعزز الصدق باحترام أخطاء الآخرين، فلم نُخلق إلا لنخطئ ونتعلم، لا لتحويل الصدق إلى "فضائح" و"لف ودوران" يستهلك وقتنا وعقلنا العربي الفارغ، كما أرجو فعلا أن تنطلق القنوات العربية من ذاتها باحترافية ومهنية لا من تقليد الآخر وواقعه، فهناك مساحة لنبدع، لكن تحتاج أن نتعب كثيرا في التفكير لنصل للآخر بصدق ونزاهة لا "باللف والدوران" كما يفعل ضيوف البرنامج العرب في "لحظة الحقيقة".