لا توجد آية واحدة في الإلزام بحفظ القرآن، وعكسها موجود؛ أن الله أنزل الذكر وتكفل بحفظه. وعشرات الآيات تنوعت حول التدبر والفهم، أحصيت منها أكثر من 42، مع هذا فالحفظ ورطة لأنه يخلق تحدي المحافظة، أما الفهم والتدبر فهي آلية نامية غير روتينية، ومنه أشار القرآن للعلماء أن يرفعهم بالإيمان والذكر الحكيم والعلم المثمر. وتبقى ملكة الحفظ إحدى ملكات الدماغ الأساسية فوجب صقلها؛ وأنا شخصيا اشتغلت على حفظ القرآن ثماني سنين عددا أثناء دراستي للطب والشريعة معا.

ويُروى عن الإمام محمد عبده المصري قوله حين نقل له أحدهم خبر حفظ القرآن فقال: زادت نسخ المصحف نسخة. والحفظ مهم للنص والفهم مهم لتفعيل النص.

وعني القرآن جدا بفهم الكتاب فقال في عشرات المواضع بألفاظ مختلفة؛ أن فهم محتويات هذا الكتاب بتنشيط الذهن والمدركات يغير الحياة إلى أفضل، مثل لفظ (هل في ذلك قسم لذي حجر)، وفي عبارة (إن في ذلك آيات لأولي النهى) وجملة (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) وفقرة (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب).

وفي المقابل لم يذكر الرحمن الرحيم أي فقرة تفيد الحفظ لمعرفته المحيطة أن الحفظ يمكن أن يتم بفهم وبدون فهم وبفهم مغلوط أحيانا.

ومثلا عندي العامل البنغالي (علم جير) يقرأ القرآن على نحو سليم ولا يفقه منه حرفا واحدا، وإذا خرجنا من صلاة الجمعة سألته (في معلوم) يجيب ما في معلوم! فنضحك سوية؛ بل هناك بعض الأتراك والعجم من حفظ القرآن كاملا بدون أن يفقه منه سطرا، مقابل كثير من العرب الذي ينطقون لغة الضاد ولا يفتحون القرآن في يوم وعلى قلوب أقفالها.

وأهمية هذه الجدلية بين الحفظ والفهم هي مآلاتها؛ فمن حفظ نمت عنده ملكة النقل وضعفت عنده آلية المحاكمة، مالم يمزج بين الآليتين وهي ممكنة، ولكن التورط بالحفظ ولو كان قرآنا يتطلب (المحافظة) عليه بجهد يذهب في آلية التكرار مثل آلة الجرامافون. ولذا قال من اشتغل بالحفظ وعني به أن على صاحبه من أجل المحافظة على القرآن في الصدور تكرارا يوميا لحوالي عشرة أجزاء حتى لا يطير!

وهي في تقديري إذا قررنا في أضعف الاحتمالات ثلث ساعة للجزء الواحد بقراءة سريعة جهد ثلاث ساعات في الترداد بدون تركيز.

وفي الحديث أنه أي القرآن أشد تفلتا من الإبل في عقلها.

ويجب أن نفهم الفرق بين اثنين؛ ترك الحفظ بتاتا واعتماد الفهم فقط فهي في تقديري موهبة ناقصة ولا بد من شيء من الحفظ، مقابل الحفظ واعتماد الحفظ فقط مثل قصة علم جير الحفاظ الأتراك فهي عكس ما أراده القرآن من التدبر والعمل به، كون الفهم والسلوك أمرين متتابعين متفاعلي التبادل.

ومن تجربتي الشخصية التي أنصح بها أيضا الاشتغال بحفظ ما تيسر من القرآن، وهناك عشرات المواضع المتألقة على نحو خاص هي ما جذبتني لحفظ المزيد والمزيد حتى استوى في صدري بالكامل ولم يكن في نيتي إتمام حفظه، ومثلا فآخر سورة البقرة ليست مثل آية التداين الطويلة، وقصص الموت والحياة عند إبراهيم والذي مر على قرية فجاءه الأجل مئة عام كلها أماكن لذيذة للحفظ وتبقى في الصدر غير آيات الميراث والطلاق مثلا من الأحكام.. والقرآن كله بديع متقن وهو غير ما قلته عن أماكن خاصة للحفظ، فإن أراد أحدهم الاستزادة فالطريق أمامه مفتوح، ولكن التطبيق العام غير التطبيق المحدود، أي أن طريقة حفظ مقاطع معينة يمكن أن يقوم بها جمهور غفير.

والأهم من كل ما مر هو الاشتغال على فهمه ففيه آيات بينات لمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه.

كما أن للحفظ مزايا من تزلق اللسان بالعبارات حتى لو نسي صاحبها النصوص فيمكن أن يستخدم النصوص بمرونة ويستحضر العبارات بسهولة.

وخلاصة ما يمكن أن ننتهي إليه أن قصد القرآن هو تشغيل الذهن في إدراك مراميه وخفايا أسراره وعظيم حكمته فبهداه يا قارئ استنر فإن حفظت فهو خير على خير وإن حفظت 6200 آية فهو الخير العميم، وليس مثل الاشتغال بالعلم نورا وقمرا منيرا.