عندما زرت جنوب إفريقيا للمرة الأولى في العام 2000 كانت آثار نظام الفصل العنصري (الأبارتيد) لاتزال ظاهرة وقصص التفرقة العنصرية تسمعها من أفواه الشيوخ والشباب, الذهول الذي يصيبك عندما تسمع قصصا في ذلك الوقت مبنية على فكرة عنصرية مغرقة في احتقار الآخر من خلال حقه في العيش والتعليم والصحة.

نظام كان متماسكا على مدى عقود ضد إرادة العالم برغم الكفاح المسلح المشروع الذي قاده الحزب الوطني برئاسة منديلا قبل أن يتحول إلى النضال السلمي الذي قلب المعادلة فيما بعد بخسائر فادحة لكن بمقابل ضخم وهو (الحرية).

أسوق هذا الحديث في الوقت الذي تمارس فيه إسرائيل أبشع صور التفرقة العنصرية ضد العالم كله باستثناء من يحمل الفكرة الصهيونية التي قامت عليها إسرائيل. فأسطول الحرية الذي انطلق إلى غزة لم يطلق صاروخا على أي مستوطنة ولم يقم بأي عملية انتحارية في العمق الإسرائيلي ولم يخطف جنديا ولم يؤيد جماعات إرهابية! ولم.. ولم..لكنه حمل المشاعر الإنسانية التي بقيت لدى قلة من شعوب العالم بعد أن تخلت حكومات العالم عن القضية العالقة منذ ستين عاما من أجل مقولة (أرض بلا شعب لشعب بلا أرض). فتشرد الشعب الفلسطيني في أصقاع العالم.. الشعب الذي يملك الأرض! ويبقى الشعب الذي ما زال على الأرض يموت جوعا! من أجل شعب شتات يسرق ويقتل ويمزق روح الإنسان في العالم كله وليس في فلسطين فقط.ففي الوقت الذي يحارب العالم فيه القرصنة الهمجية وغير المنظمة يتغاضى عن القرصنة المنظمة التي تشرف عليها إسرائيل من خلال اعتراض سفن في مياه دولية ومهاجمتها وقتل أفرادها ونهب مساعداتها!

هل فاق النظام الإسرائيلي نظام الأبارتيد في جنوب إفريقيا في وحشيته ومجازره، وأشهر مجزرة قام بها النظام العنصري في جنوب إفريقيا هي مجزرة شاربفيل التي وقعت في 21 مارس عام 1960 حين قتلت شرطة نظام الفصل العنصري 69 متظاهرا عزلا بينهم عشرة أطفال وجرحت نحو 180 شخصا أصيب بعضهم بالرصاص في ظهورهم أثناء محاولتهم الفرار.

وكان المتظاهرون يطالبون بتغيير قوانين السفر التي كانت تفرضها حكومة الفصل العنصري والقاضية بإلزام المواطنين السود حمل وثائق إثبات الهوية أو ما يعرف بــ "كتيب السفر" في كافة الأوقات أثناء تنقلهم خارج "أراضيهم" المخصصة لهم. المذبحة تسببت في إدانة دولية غير مسبوقه ضد نظام بريتوريا.

اليوم تقوم إسرائيل بأشنع أنواع الإبادة العلنية أمام كاميرات العالم التي لم تكن موجودة في العام 1960 ومع ذلك ليس الإنسان هو الإنسان وليس النظام الدولي هو ذاته برغم التطور الشكلي الكبير في مفهوم الحريات وحقوق الإنسان، لكن يبقى كما في المثل السائد (هناك من هو فوق القانون) وإسرائيل هي اليوم الوحيدة التي تتربع على القانون وتطوعه لمصالحها.

لقد مل العالم صور القتل والدمار والنهب والإرهاب المقنن الذي يجعل القيم تتلاشى والمبادئ تموت لاسيما إذا كانت دول كبرى وصغرى تدعم هذا الإسفاف في حق البشرية لمصالح سياسية وحسابات اقتصادية!

لن ينسى العالم هذا اليوم الذي ذهب فيه ستة عشر شهيدا أرادوا تقديم الحليب للأطفال والدواء للنساء والشيوخ في أسطول الحرية الذي أوضح للعالم معنى الحرية! فالحرية تقف عند إرادة إسرائيل ولك كامل الحرية ما لم تعترض إسرائيل عليك!

أية حرية؟! حرية قتل العزل أم حرية الرصاص الذي اخترق رؤس العزل؟! عجيب أمر هذه الحرية في زمن أُسقطت فيه دول وخاض العالم فيه حروبا من أجل كلمة لانعرف حدودها.