هناك من يرى أنه لا يمكن حل مشكلتي البطالة والإسكان في المملكة ما لم تقم الحكومة بفرض ضريبة أو رسوم سنوية أو نحوها على الاستقدام، وعلى الأراضي البيضاء، وأصحاب هذا الرأي لهم مبرراتهم التي تستند أول ما تستند على هيكلة الاقتصاد الموجودة حالياً، والتي تفضي إلى تراكم أرباح رجال الأعمال والمستثمرين وملاك الأراضي دون أن يستفيد الوطن منهم والمواطنون تلك الفائدة المماثلة أو ما يقترب منها في بلدان عديدة، وهناك بطبيعة الحال آراء ووجهات نظر أخرى يعرفها الاقتصاديون، وبعضها في ضوء دراسات علمية عميقة، ومن المفترض أن تكون هذه الدراسات والآراء قيد البحث والتأمل لدى وزارة التخطيط والاقتصاد، ولدى المجلس الاقتصادي الأعلى، ولدى مجلس الشورى.

وزارة العمل لا تملك صلاحية إعادة هيكلة الاقتصاد ولا فرض رسوم أو ضرائب؛ ولذلك فهي تفكر وتجتهد لحل مشكلة البطالة في حدود إمكانياتها وصلاحياتها .

مساء السبت الماضي، قدم وزير العمل المهندس عادل فقيه عرضاً وافياً لمشروع أو برنامج نطاقات بحضور عدد كبير من رجال وسيدات الأعمال والمهتمين والصحفيين، ومثل ذلك فعل الوزير مساء أمس في الغرفة التجارية بالشرقية، وهو سيستمر في تكرار ذلك في مختلف المناطق، بهدف الشرح والتوضيح قبل مرحلة التطبيق التي ستبدأ في التاسع من رجب القادم، وفق برمجة زمنية تتضمن مهلة كافية يستطيع خلالها أصحاب المنشآت تصحيح أوضاع منشآتهم لتنسجم مع أحد النطاقات الثلاثة (الممتاز، الأخضر، الأصفر) ومن تعجز تصبح في النطاق الأخير الذي هو (الأحمر).

الوزارة أخرجت البرنامج بعد دراسة استندت إلى تجارب سابقة وإلى رؤية وتجربة الاقتصاديين ورجال الأعمال وأصحاب المنشآت المتوسطة والصغيرة، وهو برنامج – كما فهمت وكما بدا لي – طموح وناضج وشامل، والوزير بعد أن شرح وأفاض وأجاب عن الأسئلة، قال إن البرنامج خاضع للتطوير من واقع التطبيق القادم الذي تهيأت له إمكانات تقنية متقدمة تجعله واضحاً وسهلاً، وأهم من ذلك أن يطبق بعدالة إذ أن أي تدخل غير نظامي ستفضحه آلية النظام على شاشات الكمبيوتر.

البرنامج يحتاج أن يأخذ وقته في التطبيق قبل الحكم النهائي عليه، لكنني متفائل به ويشاركني في هذا التفاؤل كثيرون ممن حضروا العرض، ومع هذا التفاؤل هناك تخوف يشاركني فيه كثيرون أيضاً، والتخوف مرده أمران، أولهما أن تتراجع الوزارة نفسها عن الاستمرار في تطبيقه بحزم متى ما تعرضت لضغوط الميدان الاقتصادي، وهناك تجارب سابقة في التراجع تدعم التخوف من هذا الأمر، أما الأمر الثاني فيتعلق بالوزير نفسه فهو مهما بقي في الوزارة فإنه لن يخلد فيها، وقد يخلفه من يصادر البرنامج بجرة قلم، ويبدأ يجرب برنامجاً آخر، دون إعطاء مبرر كاف أو إفشال التجربة بحكم أنها من آثار الوزير السابق، والأمثلة على مثل هذا كثيرة ومتنوعة ومتكررة.

إن علاج التخوف من الأمرين السابق يتطلب فيما أعتقد قراراً من مجلس الوزراء بصفته الجهة التشريعية، ولو أخذت قبل ذلك موافقة مجلس الشورى لكان أفضل، ثم يتوج ذلك بمرسوم ملكي يحدد مدة التطبيق بعشر سنوات أوأكثر؛ بحيث يأخذ البرنامج مداه مع التصحيح والتصويب والتعديل كلما دعت الحاجة، المهم قطع الطريق على الضغوط وعلى التراجع وعلى الإلغاء.

بقي أن أشير إلى أن هذه هي أول مرة في تاريخ الوزراء بالمملكة نرى وزيراً يعتلي المسرح ويقدم (presentation) فالمعتاد أن الوزير – أي وزير- يعقد مؤتمراً أو مؤتمرات صحفية يتحدث فيها شفهياً ثم يجيب عن الأسئلة وقضي الأمر، أما أن يعرض أي مشروع لشرحه وإقناع الناس به قبل تطبيقه، فهذه أول مرة تحدث وقد فعلها عادل فقيه بكفاءة واقتدار يغبط عليهما.