تمنيت لو يعرف أحدنا سر تعامل مقاولي الأجهزة الخدمية مع شوارعنا بقسوة، لنقوم بإصلاح ذات البين. فمع نهاية كل مشروع خدمي تظهر على الشوارع "أعراض جانبية" من تشويه وترقيع.!
مؤخراً كنت أتابع سيناريو إدخال الخدمات بأحد الشوارع، أكثر ما عجبت منه عدم التنسيق بين الأجهزة. فكل منها يقوم بإدخال خدماته بمعزل عن الآخر، ومن حسن حظهم أن "حقوق الإنسان" لا تقبل شكاوى الشوارع (ليتها بحملها تقوم)، وإلا استحقت تعاطفها وكسبت قضية ضد المقاولين.!
يأتي مقاول البلدية فيقوم بأعمال السفلتة، ولا يكاد المرء يحتفل بذهابه، إلا ويعود من جديد، متذكرا أنه نسي أمراً ما. تماماً كطبيب نسي قطعة قماش في بطن مريضه.!
يأتي بعده مقاول الهاتف، فيغرس معداته في باطن الشارع. وبعدما ينتهي يقوم بترقيعه. وليته تركه على حاله.!
ثم مقاول الكهرباء الذي يقوم باستعراض إمكانيات معداته بالحفر طولاً وعرضا، حتى يقطع أوصال الشارع، ويصبح أي شي آخر عدا كونه شارعاً معبداً.!
وبعد أن يغادر يكتشف سكان الشارع أن المقاول الأخير، قام (من شدة الحماس) بقطع أحد كيابل الهاتف، ليعود مقاول الهاتف من جديد إلى الشارع (ألم أقل ليته تركه بلا ترقيع). فلا يتركه إلا وقد أتى على ما تبقى منه.!
حينها يظن الأهالي أن غزوات الشارع انتهت، وبإمكانهم النوم بسكينة (خصوصا صبيحة الخميس) حتى يشهدوا جحافل مقاول المياه وهي تعسكر بشارعهم، لتبدأ تمديدات الشبكة. ويتحول الشارع إلى حقل ألغام، إن لم ينتبه أحد مرتاديه فسيجد نفسه في حضن أحد الحفر.!
بعدما تغيب آخر معدة لمشروع المياه عن ذلك الشارع المسكين، تدخل أرضه أول معدة لمقاول الصرف الصحي، فيغلق الشارع بأكمله هذه المرة لضخامة المشروع، ولا مجال لسكان الحي للوصول إلى منازلهم إلا عبر "دهاليز" التحويلات.!
لم لا يخصص مجرى دائم أو نفق محكم للخدمات بكل شارع، بدلاً من أعمال الحفر والدفن والترقيع اليومي. فكل شوارع العالم بها خدمات، ولم نر من الترقيع كما يحدث لشوارعنا المنحوسة، التي تختلف باتجاهاتها وعروضها، لكنها تتفق في التشويه.!