نزعة الخير ودوافع مساعدة الآخرين والرغبة في قضاء حاجات الناس وإغاثة الملهوفين ومداواة المرضى وإسعاف المنقطعين، كلها "غرائز" مركوزة في طبيعة النفس البشرية السوية.. تتجلى في ملامح الفرحة والرضا على وجوه الذين يسهمون في إزالة الكربات ومساندة الضعفاء والمشاركة في خدمة المجتمع.. وكثيراً ما نرى "مبادرات" فردية – وأحياناً جماعية – تستجيب للحظة الكارثة أو الحوادث الطارئة، وما تلبث أن "تخمد" الرغبة أو يفقد الدافع ولهذا تحتاج نوازع الخير الكامنة في الإنسان إلى "محاضن" تستثمرها و تصقل مهارة المبادرين إليها وتوجههم الوجهة الصحيحة التي تستجيب لحاجات المجتمع مع الفهم الصحيح لقيمه وثقافته.

وإلى سنوات قريبة كان التطوع في مجتمعنا يكاد ينحصر في الأعمال الخيرية المباشرة (الجمعيات الخيرية ودور الأيتام ودور كبار السن وتوزيع الإعانات) ويغلب على العاملين فيه كبار السن المتقاعدين الذين تتجه مقاصدهم إلى الإكثار من الحسنات والتزود بأعمال البر لعل الله يحسن الخاتمة.. وإذا كان العمل الخيري يدخل في مفهوم التطوع ويعد أحد جوانبه المهمة في المجتمعات المسلمة فإن التطوع بمفهومه العام أوسع مساحة وأكثر تنوعاً وأشمل منفعة وأقرب إلى تلمس حاجات المجتمع في كل مناشط الحياة. وهذا المفهوم الواسع تتحقق فعاليته ويؤدي دوره ،بصورة ملموسة، حين يتبناه المجتمع ويدرك أهميته على مستوى الأفراد والهيئات ويصبح ضمن تربية الإنسان – منذ الصغر – من خلال الأسرة والمدرسة وكل مؤسسات المجتمع على تعددها وتنوعها.. فإذا اهتمت مؤسسات التربية والهيئات الحكومية والمنظمات الأهلية بغرس قيم التطوع فإنها في حاجة إلى المال الذي ينتقل به العمل التطوعي من "الهواية" إلى "الاحتراف" حين يتلقى المتطوع من المعارف والمهارات ما يساعده على فحص قدراته وتوجيه اهتماماته إلى حيث يمكنه أن يكون عضواً فاعلاً في المجتمع.. وفي مجتمعنا السعودي شهدت السنوات الثلاث الماضية تجربة فاجأت الكثيرين حين تفجرت طاقات الشباب – ذكوراً وإناثاً – دون سابق تنظيم ليشكلوا – في فترة وجيزة – مجموعات تطوعية تصدت لكارثة جدة ولعبت دوراً بالغ الأهمية في تخفيف آثار الكارثة على فئة من المواطنين والمقيمين. ومن الإنصاف القول إن المبادرات والمواقف الشجاعة والرغبة في البذل والعطاء لم تقتصر على المواطنين فقد سجلت الأحداث قصص بطولات لبعض الإخوة المقيمين في إنقاذ أرواح الكثيرين حتى إن بعضهم ذهب ضحية شهامته وشجاعته.

مناسبة هذا الحديث هو ما شاهدته في العمل الجليل والخطوة الرائدة التي قامت بها مجموعة دلة البركة بإنشائها أكاديمية للعمل التطوعي ضمن رؤيتها لخدمة مجتمعها. ومن الحق الإشارة إلى أن مشاريع "خدمة المجتمع" تزداد مساحتها وتتنوع طبيعتها على امتداد تراب الوطن من خلال شخصيات وشركات ومؤسسات وطنية أخرى تقوم بجهود مميزة يأتي في مقدمتها مشروع " باب رزق جميل" الذي يركز على تأهيل الإنسان ومساعدته على كسب رزقه من عمل يده. وانعم به من هدف سام يزرع الكرامة في النفوس وينفض الخمول عن العقول.. ولكن حديثنا اليوم معني بمفهوم "مأسسة" الأعمال التطوعية والتخطيط لنقلها من ساحة "الاجتهادات" التلقائية إلى "ضوابط" العلم واشتراطاته بكل ما يسهم في تحسين الأداء ونشر مفهوم الخدمة العامة. وأكاديمية دلة للعمل التطوعي هي مؤسسة أهلية تطوعية هدفها خدمة المجتمع من خلال نشر ثقافة التطوع وتدريب المتطوعين الراغبين في زيادة معارفهم ومهاراتهم في هذا المجال. وأبوابها مفتوحة لكل الراغبين في خدمة مجتمعهم بغض النظر عن أعمارهم أو مؤهلاتهم الدراسية أو مراكزهم الوظيفية. وتقوم رؤيتها على إعداد متطوعين مدربين مزودين بالمعرفة والمهارة والأخلاق والتوجهات التي تزيد من منافع الأعمال التطوعية وتنعكس ثمراتها على الأفراد والمجتمع والوطن.. وقد أعدت لهذا الهدف برامج تدريبية مصممة علمياً في شكل حقائب تدريبية.. وبهذا تكون الأكاديمية – حسب علمي – أول مؤسسة تطوعية في المنطقة العربية تصمم منهجاً علمياً لإعداد مدربين يتحملون مهمة زيادة وعي ومهارات الناس بقضايا التطوع. ويلاحظ أن هذا المنهج المصمم خصيصاً للأكاديمية يتبع أسلوب "التدرج" في نقل المعرفة وغرس المهارات وتكوين اتجاهات إيجابية حيال التطوع بحيث تتضمن مرحلة التأسيس التعريف بأهمية العمل التطوعي وانعكاساته الإيجابية على المتطوعين وعلى المستفيدين وعلى المجتمع والوطن وتأثير مفاهيم التطوع على الإحساس بالمسؤولية الاجتماعية وزيادة مساحته ليسهم في معالجة قضايا المجتمع بصورة تعظم من روح التعاون والتجرد للمنفعة العامة.. وتركز هذه المرحلة على إبراز "رسالة التطوع" وبناء السلوكيات الإيجابية بترسيخ المعتقدات وتعميق مفاهيم وقيم العمل التطوعي وتحسين مهارات التواصل مع المجتمع ومراكز التأثير فيه.. وهذه المرحلة تليها مراحل أخرى، لها برامجها ومناهجها، هدفها الوصول بالمتطوعين إلى مرتبة "الاحتراف" التي يصل معها المتطوع إلى مهارات القيادة وتكوين المجموعات وإدارة الوقت ووضع الرؤى والرسائل للأعمال والمشاريع التطوعية واكتساب مهارات الإقناع والتواصل الجماهيري وفهم أصول العمل التطوعي والقوانين العامة الضابطة له وبناء الخطط وإحداث التغيرات الجوهرية في توجهات الناس. ولتوفير البيئة المساعدة على تحقيق الهدف أقامت الأكاديمية مقراً أنيقا مجهزاً بكل الوسائل اللازمة لإيجاد بنية تدريبية عصرية يشرف عليها فريق عمل مدرك ومتحمس لمهمته.

وهذا المشروع وأمثاله يؤكد حضور القطاع الخاص في هموم الوطن وإحساس بعض رجال الأعمال بمسؤوليتهم ورغبتهم في أداء واجبهم نحو مجتمعهم وبهذا يستحقون الذكر الحسن. وأعتقد أن الإعلام مطالب بالتفاعل مع مشاريع خدمة المجتمع وتسليط الضوء عليها والتعريف بأهدافها وطبيعتها والمستهدفين بها حتى يسهم في وصول خدماتها لمن يستحقها. والإعلام يلعب الدور الرئيس في تحفيز أصحاب النفوس المبادرة إلى التعرف على احتياجات المجتمع وإبراز جهودهم. ولا يقتصر دوره على كشف مواطن الحاجة وتشجيع المتطوعين بل يبرز الدور الأهم والمستمر في نشر ثقافة التطوع بين الناس وإبراز أهميتها في كل المناشط الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. كما يؤدي مهمتين متكاملتين: مهمة المشجع المحفز، المساند لفكر التطوع وثقافته ونشرها في المجتمع وتثمين جهود القائمين عليها ومهمة المدافع عن أهله وحمايتهم من كل الأصوات المحبطة والمخذلة أو المشككة في الأهداف والوسائل، فالأصوات " المسكونة بالخوف" ليس من حقها تعطيل الطاقات الخيرة في المجتمع بترددها وهواجسها. فهل نرى هذه المهمة ناضجة واعية في إعلامنا؟