منذ توحيد المملكة العربية السعودية على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله عام 1932 م، وبمشاركة فاعلة من أبناء وبنات المملكة من جميع مناطق وقبائل المملكة، والدولة لا تألو جهداً في سبيل دعم سبل الحياة والتقدم للحضر والبادية، وإيصال الخدمات التعليمية والصحية والبنية التحتية من طرق ومبانٍ وكهرباء ومياه واتصالات لجميع بقاع المملكة؛ رغم عدم وجود جدوى اقتصادية في بعض الأماكن التي تم توطين البعض فيها مع قلة الساكنين فيها، وخصوصاً الهجر، وكانت هذه السياسة ضرورية في حينها لحرص القائد الملك عبدالعزيز رحمه الله على تسهيل سبل العيش الكريم لجميع مواطني المملكة في أماكن إقاماتهم الأصلية؛ ولصعوبة انتقال بعض الأفراد والأسر والقبائل إلى مدن ومناطق أخرى، وكان هذا ما تم، وما انتشار الهجر أو المراكز وبالآلاف في جميع مناطق المملكة وما يتوافر فيها من طرق ومبانٍ ومدارس ومراكز صحية وخدمات ومرافق حكومية من كهرباء ومياه واتصالات إلا شاهداً على حسن وبذل وعظم ما قامت به الدولة وبسخاء في المرحلة الأولى من تأسيسها، كما تدعم هذه الشواهد والإنجازات الرؤية والقيادة الفريدة والفذة التي كان يتمتع بها الملك عبدالعزيز، ليس فقط في قدرته على تأسيس المملكة ولم شتاتها وتلاحم أطيافها، ولكن أيضاً في زرع جذور الولاء والتلاحم بين القيادة والمواطن، وبين الدولة والشعب.

وخلال أكثر من (80) سنة على تأسيس المملكة، كان هناك أكثر من اختبار سواءً من الداخل أو من الخارج، ثبت فيها قوة ومتانة الولاء والتلاحم بين الدولة والمواطن، فدائماً وأبداً ما كان هناك من قلاقل أو تهديد خارجي إلا ويتجلى ويزداد التلاحم والاتحاد الداخلي، والشواهد والأمثلة كثيرة. ولعل من أهم ظواهر التلاحم ما يحصل كل سنة في مواسم رمضان والحج، والتي يثبت فيها الشعب تلاحمه وولائه للقيادة، أمام ومع الملايين من الوافدين للعمرة والحج.

ولأن المواطنة تأخذ أشكالاً عديدة، وفيها حقوق وواجبات، حقوق للمواطن تتمثل في الحصول على خدمات التعليم والصحة والسكن وخدمات البنية التحتية من طرق ومبان وكهرباء واتصالات ومياه وصرف صحي وغيرها، مع ضمان العيش في رفاهية ومستقبل كريم، وواجبات ومسؤوليات على المواطن بالولاء والتلاحم مع القيادة واحترام وحفظ الأمن والدفاع عن الوطن بالنفس والمال، واجبات ومسؤوليات قام المواطن بها وما زال ولله الحمد، مما يقودنا إلى مرحلة أخرى في تطوير نموذج الدولة والمواطنة، مع التأكيد دائماً على حقوق وواجبات المواطنة، ولعل أحد أهم التطبيقات التي تحتاج إلى إعادة النظر فيها توطين البادية وانتشار الهجر وما تكلفه من أموال طائلة على ميزانية الدولة، إضافة إلى صعوبة توفير الخدمات الأساسية من تعليم وصحة وبنية تحتية بالجودة والمستوى المطلوبين.

في هذه المرحلة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله وما تشهده من إصلاحات وتطوير في جميع مناطق المملكة – كل الـ 13 منطقة إدارية، ولمحدودية الموازنة المخصصة لكل منطقة، ووجود أولويات للصرف في كل منطقة، وتقدم واختلاف متطلبات التنمية، وتغير متطلبات واحتياجات المواطن، قد يكون من المناسب في هذا الوقت إعادة النظر في نموذج الهجر وتحديد مدى مناسبة نموذج الهجر في هذه المرحلة.

في المرحلة الحالية، ينبغي أن يكون الاهتمام أكثر في احتياجات الأجيال القادمة من بناتنا وأبنائنا ليس فقط في المدن ولكن في جميع بقاع المملكة، جيل يحتاج إلى أفضل الخدمات التعليمية والصحية وخدمات البنية التحتية من طرق ومبان كهرباء ومياه واتصالات وصرف صحي وغيرها، خدمات قد يصعب توفيرها بالمستوى والجودة المقبولين في كل مكان، ناهيك عن توفيرها في الهجر والقرى. في هذه المرحلة قد يكون من الضروري إعادة النظر في تعريف المدينة والبلدة والقرية وتحديد احتياجات ومتطلبات كل واحدة منها، مع التركيز على الإنسان كمحور للتطوير والتنمية.

في نموذج الهجر الحالي، كان لا بد من توفير بنية تحتية مناسبة من طرق ومواصلات وبلديات ومراكز إطفاء وخدمات صحية وتعليمية، وهذا يمثل تحدياً وعبئاً كبيراً على الجهات الحكومية ذات العلاقة، فوزارة الشؤون البلدية والقروية مناط بها بناء وإدارة وصيانة الطرق والمباني وإصدار الرخص والتنسيق والمتابعة مع الجهات الحكومية الأخرى عند إنشاء أي خدمة حكومية، ومثلها المديرية العامة للمطافئ كإحدى إدارات وزارة الداخلية المناط بها توفير الخدمات الأساسية للهجرة، إضافة إلى توفير رئيس للمركز أو الهجرة مع فريق عمل لإدارة الهجرة أو المركز، وأما وزارة التربية والتعليم، وما توفره من مدارس لبعض المراحل وخصوصاً الإبتدائية، فلن تستطيع توفير مستوى جيد من التعليم في ظل عدم توفر عدد كاف من الطلبة والطالبات، وصعوبة توفير طاقم تعليمي مؤهل في هذه المناطق، مع انخفاض ثقافة الهجرة واهتمامها بالتعليم، وهي عوامل نجد للوزارة العذر في تدني مستوى التعليم في هذه الهجر، وهو- أي التعليم- أهم الخدمات التي يجب تقييم مدى مناسبة الاستمرار في نموذج الهجر على أساسه، وكذلك الحال ينطبق على الخدمات الصحية، وخدمات الكهرباء والمياه والاتصالات والصرف الصحي، خدمات تكبد الدولة مبالغ طائلة ولا يوجد لها أي جدوى اقتصادية، إضافة إلى عدم حصول أبناء وبنات هذه الهجر على فرص حقيقية للنمو والتطور.

ونرى أن الخيار الإستراتيجي للتعامل مع مشكلة الهجر يتمثل في: إما الاستمرار في نموذج الهجر مع ما تعانيه من ضعف في الخدمات التعليمية والصحية والبنية التحتية أو إعادة النظر في هذا النموذج من خلال تشكيل فريق عمل يجمع الجهات الحكومية ذات العلاقة لدراسة وضع الهجر والمراكز.

وللحديث بقية...