بعد أن دمر فرانسيشكو بيزار ومملكة الإنكا واعتقال مليكهم لمدة سنة كاملة مقابل فدية من غرفة ذهب كاملة وغرفتي فضة مترعتين، استقدم أخاه غونزالو وهو أعرق منه في الإجرام ليساعده في تفتيت مملكة الإنكا الممتدة على ستة آلاف ميل من البيرو وانتهاء بأرض النار وهي أكثر من أربع دول حاليا من دول أمريكا الجنوبية.

لقد وعد فرانسيشكو بيزار وملك الإنكا هواتا هوالبا أن يطلق سراحه مقابل الفدية ولكن الملعون بيزار قال لماذا غرف الذهب والفضة إن كان بملكتي مصادرة المملكة كلها؟ وهذا الذي كان فقد خنق الملك، والتهم كامل المملكة لشعب فقد قدرة تقرير المصير.

التفت غونزالو إلى شيء أهم وهو قصص الذهب في المملكة فحكوا له رواية رجل إلى الشرق من كيوتو يغمر نفسه بتراب الذهب ثم يستحم في بحيرة قريبة. قال المجرم في نفسه حسنا إنها عينة من مدينة الذهب فأين هي؟ فجاءه من يقص عليه أن هناك مدينة كاملة بطائنها من استبرق وأرائكها من ذهب وقواريرها من الفضة قدرت تقديرا وشوارعها مبلطة بقرميد أصفر من الذهب الخالص! لقد كانت قصص جحا وأشعب كاملة الحضور في ذهن غونزالو!

أخيرا حضر نفسه للرحلة الكبرى فحشد حملة هائلة من 340 إسبانيا وأربعة آلاف من عبيد الهنود ومثلهم من الخنازير وألف كلب مدرب على العض والنهش ومئات من حيوانات اللاما المدربة على الحمل وصعود المرتفعات.

تقدم الجيش بموسيقى وصلبان الكهنة ودروع تلمع وخيطان من حرير ملون يلف أعناق المجرمين الإسبان. تقدموا وبدأوا في غابات لا نهاية لها وشعوب مسكينة من أمريكا الجنوبية تنظر لهم بعجب فأمسكوا بأناس يسألونهم عن مدينة الذهب التي لم تكن موجودة إلا في مخيلة العسكر الإسبان المدربين على القتل والنهب!

عذب الإسبان الأهالي المساكين وأحرقوهم بالنار ومن مات ألقوا جثته طعاما للكلاب الجائعة. وفي النهاية شعر الأهالي المقرودون أن أفضل طريقة للتخلص من هؤلاء القتلة هي دفعهم نحو الهاوية أكثر؛ فبدأوا في تزيين القصص العجيبة عن مدينة ساحرة من الذهب الخالص ولكنها موجودة في عمق الغابة!

تابع غونزالو تورطه في الغابة اللعينة الكثيفة وخلال مواسم مرعبة من المطر المستمر لم يبق خوذة وحذاء وطعام بل أوحال وأسمال؛ فمشوا شبه عرايا جيعان منهوكين يبحثون عن طعام ويدورون في فراغ لانهاية له من أغصان من غابات متشابكة وأنهار غدارة.

في النهاية ظن المجرم غونزالو بيزارو أن أفضل الطرق للوصول إلى الدورادو هو النهر فبنى طوفا من بقايا خشب متعفن ليكتشف أن الطوف ليس سفينة نوح إلى الخلاص، بل دوامة مرعبة في نهر النابو المخيف!

أرسل أتباعه الآن فقط يستجدون الطعام من الأهالي المساكين، فهرب من هرب ولم يرجع مخبر، وبقي المجرم غونزالو الحالم بالذهب مع نفر قليلين. وأخيرا وبين بداية الرحلة في فبراير 1541 وأوجست 1542 بعد سنة ونصف من دوران آلاف الأميال في ظلمات الغابة لم يكن ثمة الدورادو، ورجع من بقايا الحملة أقل من مائة بمطامير وأسمال وخرق وقروح ومفاصل تطقطق، وكأنهم بعثوا من القبور فلم يعرفهم أهل كيتو! بعد هذه الحملة المشؤومة لم تنطفئ فكرة الدورادو، بل أدت إلى نهاية إسبانيا ذاتها، فقد هجر الناس في إسبانيا بيوتهم وانطلقوا في مغامرات البحث عن ذهب القارة المسكينة وقتل الهنود وإحراقهم مع بناء الكنائس لإدخال الناس عنوة في الكثلكة وبركة البابا، ففرغت المدن من السكان وانقرض نصف أهل إسبانيا وتناقص عدد سكان مدريد من 400 ألف إلى 150 ألفا وضعف الجيش الإسباني عن وجود الرجال لتمويل حملاته الحربية في الأراضي الواطئة ودُمِّر الجيش الإسباني في معركة الأرمادا، ولم يحل القرن السابع عشر حتى كانت إسبانيا في قبضة التخلف ومحاكم التفتيش ورجعت إلى الزاوية الخلفية من أوروبا ولم تستيقظ إلا على نفخة الصور مع بوق الاتحاد الأوروبي والله وارث الأرض ومن عليها وإليه الأمر من قبل ومن بعد وتلك الأيام نداولها بين الناس.