لأكثر من تسعة عقود، مثل المشروع الصهيوني تحديا صارخا للوجود العربي... وكانت محطات صراعنا مع المشروع تنال دوما من حصتنا، وتضيف إلى حصة العدو. فمن اتساع دائرة هجرة اليهود إلى فلسطين، والحلم بوطن قومي لهم على أرضها، إلى انتزاع الأراضي والسطو على ممتلكات السكان الأصليين، ومن ثم صدور قرار الأمم المتحدة رقم 181 في نوفمبر عام 1947م بتقسيم فلسطين. وفي 15 مايو عام 1948م، انتقلنا إلى المرحلة التالية من الصراع، بإعلان الصهاينة قيام كيانهم الغاصب، ودخول الجيوش العربية معركة غير متكافئة مع العدو، انتهت بهزيمتنا وحدوث ما عرف في التاريخ العربي بالنكبة الفلسطينية.

والنتيجة أن المشروع الصهيوني استهدف الأمة العربية برمتها... وضمن ذلك الاستهداف عناصر قوتها الراهنة والمستقبلية، وتأكد مع عدوان يونيو أن المستهدف ليس فلسطين وحدها. لقد مثل وعد بلفور واتفاقية سايكس بيكو، قوة طرد لمشروع النهضة، ولحلم العرب في التحرر والانعتاق. وقد تجمعت عناصر الطرد هذه، في مرحلة انتقال رئيسي في التاريخ العربي، وارتبط تنفيذهما بنتائج حربين كونيتين. وكان الملمح الرئيسي لهذه المحطات الثلاث أنها أخذت مكانها في ظل وهن وعجز عربيين. وكان لكل منها اسقاطاتها على الواقع العربي برمته.

وضع وعد بلفور واتفاقية سايكس- بيكو الحجر الأساس، في الربط بين استقلال المشرق العربي، وتحقيق النهضة وتحرير فلسطين، وجعل من تحرير فلسطين قضية العرب المركزية. وكانت نتائج الحرب الكونية الأولى، قد قسمت المشرق العربي، بين البريطانيين والفرنسيين. أما النكبة فأخذت مكانها بعد الحرب الكونية الثانية، وانزياح الاستعمار التقليدي، وبروز الولايات المتحدة الأمريكية، كقوة عسكرية عظمى، لا تضاهيها قوة أخرى فوق كوكبنا الأرضي.

صادف هذا الأسبوع ذكرى نكسة 5 يونيو 1967م، المحطة الثالثة، في مسلسل الهزائم التي لحقت بالأمة في مواجهة المشروع الاستيطاني الصهيوني، في هذه المحطة، شن الكيان الغاصب عدوانا واسعا على مصر والأردن وسوريا، وتمكن من احتلال شبه جزيرة سيناء بأكملها، وهضبة الجولان، والضفة الغربية والقدس، وقطاع غزة. وتضاعفت مساحة الأرض التي يحتلها العدو، ثلاثة أمثال ما كانت عليه قبل الحرب.

ومنذ ذلك التاريخ، أصبح العرب أكثر انهماكا في مواجهة المشروع الصهيوني. فلم تعد علاقتهم به مجرد تضامن أخوي من قبل أشقاء مع شعب سلبت حقوقه، ولكن ترابهم الوطني نفسه أصبح في قائمة المصروفات العربية. وكان عليهم طرق كل السبل، وتلمس مختلف الخيارات من أجل تحرير أراضيهم من الاحتلال. وفي أكثر من أربعة عقود جرب العرب خيارات الحرب والسلام، ولم يتمكنوا بعد من تحقيق أهدافهم.

ومرة أخرى، كان المشروع الصهيوني، متلازما مع مشروع إعاقة مشروع التحرر الوطني في البلدان العربية، ليتأكد مجددا تلازم النضال بين مشروعي النهضة وتحرير فلسطين. الفارق بين المحطتين، أن الأولى كانت برعاية بريطانية، أما الثانية فحدثت بعد تقهقر المشروع الاستعماري البريطاني، ولذلك كان الدور الأمريكي، أساسيا بامتياز.

كانت نكسة يونيو، حدثاً مروعاً ومدوياً في التاريخ العربي، من حيث تداعياتها وإسقاطاتها على الواقع العربي، ومن ضمن ذلك منظوماته الفكرية والسياسية والنهضوية. فقد كشفت عن قراءة عربية غير دقيقة لطبيعة المشروع الصهيوني، كمشروع حرب، يعتمد على المبادرة، والمخاتلة مستغلا حالات التشرذم والضعف في الأمة، متقدما بثبات نحو أهدافه.

كان الكثيرون منا يتصورون خطأ أن بالإمكان تحييد الصراع مع الكيان الصهيوني، أو على الأقل تأجيله حتى نستكمل العدة والعدد لخوض غماره. وكان آخرون يرون توجيه البوصلة نحو معركة البناء والتنمية بدلا من الانشغال بالصراع مع العدو، وقد اتضح فيما بعد أن من يبني لا بد له من جبهة متينة، على الحدود وفي داخل الوطن... وأن الفصل بين تحقيق التنمية وضمان الأمن عملية تعسفية. ولم تكن جملة الشروط الموضوعية والذاتية تتجه لصالح خيار المواجهة والتحرير.

ومنذ النكسة حتى يومنا هذا، أصبح لنا يوم في العام، نتبارى فيه بتقديم مرثياتنا، وتأكيد عجزنا، نمارس، فيه بإذعان ومثابرة جلد ذاتنا. وتكون قصائد ومقالات الرثاء معدة لهذه المناسبة، لتضيف إلى ضعفنا ضعفا وإلى مهانتنا مهانة، وكان الصهاينة، لفرط غطرستهم وعنصريتهم، يتلذذون بمرثياتنا، معتمدين على ما يملكون من أرصدة وأوراق وتحالفات. فلم نكن، من وجهة نظرهم، غير مجرد قطعان عاجزة عن الحركة والفعل.. وفي أحسن الأحوال، فإننا نتصرف بوحي من قانون الفعل ورد الفعل. وقد استقر في ذاكرتهم، “أننا شعب لا يقرأ”. وهو تعبير ردده موشي دايان وزير الحرب “الإسرائيلي” أثناء وبعد النكسة.

كان العرب، ولا يزالون منهمكين، في رحلة البحث عن مشروع وعن هوية، وأيضاً عن موضع قدم يليق بهم. وكانت الصراعات تتلفع بأشكال جديدة، سياسية واجتماعية، مجسدة هشاشة الهياكل وضعف مقاومتها أمام مختلف أنواع التسلل والغزو. وهكذا انتهينا دائما إلى نتائج كارثية.

لم يكن ما تمخض بالميدان، في الصراع مع العدو، من نتائج سوقية هو الأخطر، بل إسقاطاته على الواقع العربي، وكانت ملامح ذلك قد بدأت تفصح عن نفسها، بعدما يفترض أنه اليقظة و”عودة الوعي” على حقيقة النكسة. واتخذت الهجمة على الأمة طابعاً سادياً وعدائياً، شارك فيه للأسف مثقفون وكتاب عرب شملت عناصر إبداعاتها وثقافاتها وإسهاماتها الإنسانية، وأيضا تضحياتها ومقاومتها للغزو الخارجي. وكان الأخطر أن التاريخ العربي الحديث كله اختزل في نتائج النكسة.

بشائر مرحلة جديدة في تاريخ صراعنا مع العدو بدأت تلوح، بعبور الفلسطينيين والعرب جميعا برزخ الخوف واليأس والذل والمهانة، وفي انتقال مركز الجاذبية في النضال الفلسطيني من الأعلى، إلى الغالبية من الناس، حيث الفلسطينيون يتحدون غطرسة الصهاينة، بتحقيق حلم العودة عنوة، عبر الحدود إلى قلسطين، وحيث يفتح معبر أريحا وتتحقق المصالحة بين الفلسطينيين، عناصر مهمة تستحق أن نسلط الضوء عليها في أحاديث قادمة بإذن الله تعالى.