مع مرور سحب وزارة التعليم العالي الممطرة ودقاً موسميا على كل رقعة من خارطة وطني، دنت على مشارف البحر الأحمر وعروس الوطن لتهطل وابلاً نحو القرى المتناثرة حولها التي أنشدت زغرودة البهجة والإنجاز، لأن كل الأحلام حين تتحقق تنشر الفرح، إنها امتداد لمسلسل إنجازات جامعة الملك عبدالعزيز والتي تسامت توأمةً مع جهود وزارة التعليم العالي الأسبوع الماضي بتدشين مشروع عملاق لفرع الجامعة في شمال جدة بضم 15 كلية للطلاب وأخرى للطالبات تستهدف قبول 25 ألف طالب وطالبة كهدف متقدم عقب استكمال وتجهيز مبانيها ومدينة طبية وإسكاناً للموظفين وللطلبة، ومدينة رياضية، وموقعا لمدينة اقتصادية داخل حرمها، وما أقرب أمسنا من يومنا فقد دشن المشروع أمير منطقة مكة المكرمة الأمير خالد الفيصل بروح الامتداد لجهود والده الملك فيصل – رحمه الله - فمنذ خمس وأربعين عاماً بدأت الجامعة بقصة عراقة، وتحديات بدايات لجهود المخلصين من أبنائهاعندما خرجت فكرة إنشاء الجامعة إلى حيز الوجود بلقاء الملك فيصل الذي أبدى كل الدعم والتأييد لفكرة المشروع وتدشينه كجامعة أهلية ثم تحولت بعدها بست سنوات إلى جامعة حكومية لتكون عيناً لعلم وحضارة لاتنحصر على الشباب فقط بل بريادة في تعليم (الفتاة) السعودية تعليماً عالياً مع إتساق افتتاح قسم الطالبات في نفس العام الذي افتتح فيه قسم الطلاب.
أربع عقود ونصف عمر جامعة عريقة شهدت منذ إنشائها تطوراً ونمواً مضطرداً،لتصبح الآن من أبرز جامعات المملكة (كمّاً) ليبلغ عدد طلابها حالياً 100 ألف طالب وطالبة عبر برامج تعليم متطورة في مساري الانتظام و(ريادة) الانتساب الذي يسر على أبناء مناطق المملكة إكمالا لتعليمهم العالي منذ عقود، و(كيفاً) من حيث تعدد تخصصاتها النظرية والعلمية وتكاملها وتميزها منفردةً ببعض الكليات والتخصصات عن بقية جامعات المملكة مثل: علوم البحار، والأرصاد، وعلوم الأرض، والهندسة النووية، والطيران والتعدين، والهندسة الطبية، لتجعل لنفسها كذلك مكانةً بارزةً على المستوى المحلي والإقليمي ببرامجها وقفزاتها التعليمية والإدارية جعلت وزارة التعليم العالي تكلفها تشريفاً وتكليفاً بتأسيس نواة لست جامعات تقع على شريط واحد من شمال وطننا إلى جنوبه بدءاً من جامعة طيبة في المدينة المنورة، وتبوك، والحدود الشمالية، والجوف، وجازان لتضع بصمتها في هيكلتها الإدارية والمالية والأكاديمية لتستحق أن تكون بذلك أم الجامعات السعودية.
وفي عهد مديرها الحالي الدكتور أسامة الطيب الذي ينسب له بكل أمانة ولوكلائه قفزات تطورية شهدتها الجامعة خلال الثمانية الأعوام الماضية، فتحققت فيها إنجازات إدارية في تأسيس عدة جامعات سعودية، وعلمية أبرزها حصد أكثر من أربعين اعتماداً أكاديمياً من جهات علمية وأكاديمية عالمية تمنحها الاعتراف الدولي ببرامجها المقدمة للدارسين، وبحثية في تملكها رصيداً من عشرين كرسياً بحثياً في العديد من المجالات الطبية والصناعية والاجتماعية، وتوفير بيئة للتميز في البحث العلمي بمنح جائزة مالية تبلغ 500 ألف ريال لكل شخص من منسوبي الجامعة عمل على إعداد بحث علمي منشور في دوريات مصنفة عالمياً، كان نتاج ذلك الدعم خروج كلية العلوم فقط ب126 ورقة علمية منشورة في دوريات مصنفة،و48 ورقة في دوريات غير مصنفة، و 54 مشاركة في مؤتمرات دولية، و47 جائزة محلية وأربعة برامج شراكة بحثية مع فرق بحثية دولية.
يقول أحد قيادات المبتعثين في أمريكا سابقاً والذي نحت اسمه في سماء تاريخ الابتعاث وفي ذاكرة مدينة بيتسبرج وطلاب أمريكا وعاد قريباً ليمارس عمله في الجامعة كأستاذ مساعد في قسم الهندسة الطبية الدكتور نزيه عثماني عن إنجازات كلية الهندسة، "ما وجدته عند عودتي من أمريكا إلى الجامعة أشعرني بالفخر بالنقلات النوعية الملموسة في الجامعة فعلى مستوى كلية الهندسة فقد حصلت جميع برامج وتخصصات كلية الهندسة على الاعتماد الأكاديمي العالمي من هيئة الاعتماد الأكاديمي للهندسة والتقنية (ABET)، كما حققت خمس براءات اختراع، حصلت عليها أقسام الهندسة الحرارية، تقنية تحلية المياه، الهندسة والتعدين، الهندسة الكيميائية وهندسة المواد، هندسة الإنتاج، والهندسة النووية، وإطلاق أول طائرة سعودية غير مأهولة، كما وجدنا سعيا حثيثا في التواصل مع الجامعات العالمية، والحق يقال أن بيئة البحث العلمي أصبحت خصبة وتنتظر من يرغب في استغلالها.
إنها أم الجامعات السعودية التي لم يكن نجاحها مجرد حاضنة لعلم وثقافة، وإنما كانت منارة علم تضيء لخريجيها طريقا لمستقبل، تشدو فيه للأجيال لحن العلم والأمل لمستقبل وطن.