تحدثت في المقالة السابقة عن مراحل ونشأة وتطور ديوان المراقبة العامة في المملكة، ورأينا كيف تحول الديوان من شعبة محدودة المهام والاختصاصات ومرتبطة بالنائب العام إلى هيئة مركزية تمارس الرقابة باستقلالية أكثر لارتباطها مباشرةً بالملك، بالإضافة إلى تبلور مفاهيم الرقابة على أموال الدولة وحساباتها، بشكل يواكب ما حققته أجهزة الدولة من تطور في الميادين التنظيمية والمالية والمحاسبية.

وفي هذه المقالة سوف أتطرق إلى التطورات اللاحقة لوظيفة الديوان، وخاصةً فيما يتعلق بممارسة الديوان لنوع حديث ومتطور للرقابة المالية والتي تسمى بـ (رقابة الأداء).

ففي تاريخ 28/3/1406هـ، وفي عهد الملك فهد بن عبدالعزيز (رحمه الله) صدر الأمر السامي رقم 7/507/م بالموافقة على إعادة تنظيم الديوان على أسس ومفاهيم حديثة تلبي متطلبات تطوير العمل، وتم تحديث الهيكل التنظيمي للديوان و إحداث قطاع يختص بأعمال الرقابة على الأداء للتثبت من استخدام الجهات محل الرقابة لمواردها بكفاءة وبطريقة اقتصادية، والتحقق من نجاح تلك الجهات في تحقيق الأهداف المرسومة لها. وتعد هذه المرحلة نقطة تحول جوهرية في تاريخ ديوان المراقبة العامة لممارسته هذا النوع المتطور من الرقابة، وأصبحت رقابة الأداء اختصاصاً رسمياً من اختصاصات الديوان بجانب الرقابة المالية.

تبعاً لذلك تم إنشاء العديد من الإدارات الأخرى التي تتمشى مع التطورات الحديثة في مجالات العمل الرقابي كإدارة تدقيق الحاسب الآلي لمواجهة الزيادة المضطردة في استخدام تقنية المعلومات في المملكة، وإدارة المعايير الرقابية المنوط بها وضع وتطوير مؤشرات ومعايير يتم قياس الأداء في ضوئها وإعداد أدلة إرشادية ومعايير مراجعة لتحقيق الأهداف العامة والتفصيلية للعمل الرقابي.

وبعد اعتماد الهيكل التنظيمي الجديد بدأ الديوان في التوجه إلى تطبيق رقابة الأداء في أعمال المراجعة التي يقوم بها على الجهات المشمولة برقابته، كما استعان الديوان بخبراء من مكتب المحاسب العام الأميركي (تغير اسمه إلى مكتب المساءلة الحكومية) منذ مطلع الثمانينات الميلادية حتى عام 2000م، وقد بدأ العمل بتنفيذ أول مهمة له سنة 1409هـ على دور وزارة الصحة في الإشراف على المديريات والمستشفيات التابعة لها مع التطبيق على مستشفى الرياض المركزي، وفي الوقت الحاضر يمارس الديوان رقابة الأداء بشكل واسع من خلال فرق عمل متعددة تقوم بمهام متنوعة على الجهات الخاضعة لرقابة الديوان.

والجدير بالذكر أن الديوان وضع التوسع في رقابة الأداء أحد أهداف خططه الاستراتيجية، ومنها تقويم أداء الأجهزة الحكومية وبيان مدى كفاءتها وفعاليتها في ممارسة أنشطتها والتأكد من أن برامجها ومشاريعها تدار بشكل اقتصادي وأنها تحقق الأهداف المرسومة لها.

ومما سبق قدمت لمحات تاريخية مختصرة عن نشأة ديوان المراقبة العامة والرقابة بنوعيها (المالي والأداء) في المملكة، ولا يفوتني هنا أن أشير إلى التغيرات والتطورات المهمة التي تمر بها المملكة في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حفظه الله)، ففي افتتاحه لأعمال السنة الثانية من الدورة الرابعة لمجلس الشورى، أعلن، حفظه الله، نقاطا رئيسية هي بمثابة استراتيجيات يجب بلورتها في خطوات عملية جادة ومدروسة. ومن تلك النقاط ما تضمنه قوله: (إننا لا نستطيع أن نبقى جامدين والعالم من حولنا يتغير، ومن هنا سوف نستمر بإذن الله في عملية التطوير وتعميق الحوار الوطني وتحرير الاقتصاد ومحاربة الفساد والقضاء على الروتين ورفع كفاءة العمل الحكومي) وهي:

• محاربة الجمود في جميع جوانب الحياة الإدارية والاقتصادية والاجتماعية دون المساس بأصولنا الدينية والهوية الوطنية.

• الاستمرار في عملية التطوير البنّاء في جميع المجالات الإدارية والاقتصادية والاجتماعية ومواكبة التقدم العالمي مع الحفظ على هويتنا الدينية والوطنية.

• تعميق الحوار الوطني المثمر والبنّاء.

• تحرير الاقتصاد من قيود الاحتكار والروتين والبيروقراطية.

• محاربة الفساد الإداري والمالي.

• القضاء على الروتين في أداء الأعمال وتقديم الخدمات والتسهيل على المواطنين.

• رفع كفاءة العمل الحكومي على مستوى الأجهزة والأفراد على حد سواء.

ومن هذا المنطلق صدرت عدة قرارات من مجلس الوزراء تتعلق بتطوير الأنظمة المالية والمحاسبية وتطوير الأعمال الرقابية على الأجهزة الحكومية واستخدام تقنية المعلومات على برامجها وأنشطتها، ومن ذلك على سبيل المثال:

1) قرارا مجلس الوزراء رقم (235) وتاريخ 20/8/1425هـ، ورقم (40) وتاريخ 27/2/1427هـ، القاضيان ( بسرعة قيام الجهات الحكومية باستخدام أنظمة الحاسب الآلي في جميع العمليات المالية والمحاسبية وإدارة قواعد المعلومات والبيانات التابعة لها...).

2) قرار مجلس الوزراء رقم (235) وتاريخ 20/8/1425هـ القاضي (بقيام ديوان المراقبة العامة بتطوير النظام المحاسبي والمراجعة ومعاييرها المهنية، والتنسيق في ذلك مع وزارة المالية والهيئات المهنية المتخصصة لتمكين أجهزة الدولة من الحصول على البيانات المالية الدقيقة والمعلومات الموثقة عن أقيام أصول المرافق العامة وممتلكاتها، وبخاصة المستهدفة بالتخصيص ....).

3) قرار مجلس الوزراء رقم (129) وتاريخ 6/4/1428هـ، والمتضمن الموافقة على اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية في الأجهزة الحكومية والمؤسسات العامة.

وأكتفي بهذا القدر من الأمثلة على قرارات مجلس الوزراء، والتي كان الهدف من استعراضها هو توضيح الحجم الكبير للتطورات والتحديات التي يواجهها ديوان المراقبة العامة والتي تقتضي إعادة النظر في تطوير عمله الحالي، والتحول بشكل كامل إلى المراجعة وفق المعايير المهنية المتعارف عليها، وتطبيق المفهوم الواسع للمساءلة العامة، بما يتواكب مع التطورات والتغيرات الحديثة، لدفع مسيرة الإصلاح المالي والإداري وتحقيقاً لتوجيهات خادم الحرمين الشريفين حفظه الله، والتي تؤكد على مواصلة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والمؤسسي وتطوير الأنظمة ذات العلاقة برفع الكفاية وتحسين الأداء والعمل على ترسيخ مبدأ الشفافية والمساءلة ومحاربة الفساد المالي والإداري.