كل العالم الآن لا يتهيأ لاستقبال السياح، وكأنه يتهيأ لاستقبال السعوديين، والبلدان العربية التي مرت بأحداث واضطرابات داخلية، توجه الآن حملاتها الإعلانية والترويجية لتقول للسعوديين بأن الأمور على ما يرام، وبأن كل شيء قد عاد إلى طبيعته.
يمكن القول بأن السعوديين، وهم العميل الأول على خارطة السياحة العربية، كثرة وإنفاقا، قد تضرروا من جراء الثورات أو الاضطرابات التي شهدتها عدة بلدان عربية، حيث تضاءلت خياراتهم ووجهاتهم السياحية، ولم يعد أمامهم سوى بيروت التي ستشهد زحاما سعوديا منقطع النظير، أو دبي التي رغم مناخها الصيفي الساخن جدا إلا أنها تظل الفكرة الأقرب، والتي تتميز بأن لديها ما يصرف نظر زوارها عن حرارة الطقس من ترفيه ومقومات سياحية حقيقية، ثم إنه من غير المستبعد أن تفكر حكومة دبي في مشروع تقني لتبريد الإمارة الصغيرة الفاتنة، وهو ما يمكن معه اقتراح القيام بتوأمة مناخية بين دبي وسودة عسير، وبما أن الرحلات الجوية قد باتت تنطلق مباشرة من أبها إلى دبي فلعلها بداية لهذا المشروع الذي يشبه مشروع (أبوحسين) في إحدى حلقات مسلسل طاش.
في الواقع، فإن السعوديين لا يبحثون عن المناخ البارد في وجهاتهم الصيفية فحسب، وإنما يمثل السفر بالنسبة لهم حالة من الانطلاق والترويح الحقيقي عن النفس، وأبناء كل مجتمع يبحثون في سفرهم عما يفتقدون إليه، وكلنا نشاهد كيف أن كثيرا من أصدقائنا تتراجع لديهم المحافظة بمجرد أن تطأ أقدامهم مطار دولة ما، وبينما كان بعضهم حين يدخل إلى مطعم في الرياض يبدأ بالسؤال عن الساتر الخشبي وقسم العوائل، بينما يتحول مطلبه في أي مطعم أو مقهى خارج المملكة، فتجده يبحث عن الموقع ذي الإطلالة الساحرة والمنظر البديع.
ماليزيا مثلا، باتت من أكثر الوجهات السياحية بالنسبة لكثير من التقليديين وممن يحملون آراء محافظة في قضايا اجتماعية متنوعة، ولكنهم يرتاحون كثيرا في كوالالمبور ويجدون فيها من الطمأنينة والارتياح ما يجعلها مقصدهم الأبرز، وحين يعودون منها لا يملون من الحديث عن جمالها والراحة التي يشعرون بها في تلك البلاد الخضراء، مما يعني أن وعيا جديدا بالسياحة بدأ يزدهر لدى مختلف الطبقات الاجتماعية.
يعلق أحدهم مازحا: إن المحافظة في السعودية هي أكبر داعم للسياحة في العالم، ذلك أنها تجعل كل دولة بالنسبة إلى السعوديين وجهة سياحية متميزة، إننا نجرب أشياء جديدة حين نجلس في المقاهي العامة والمطاعم المفتوحة، وهو أمر لو نمارسه في السعودية لفقدنا قيمته في الخارج.
هذا الصيف إذن سيكون صيفا سعوديا تركيا بامتياز، وسعوديا ماليزيا بامتياز أيضا، أما اللبنانيون فهم الأكثر ترقبا على الأقل ليأخذوا بثأرهم السياحي من مصر بعد الهزيمة السياحية التي عاشوها في العام 2006، حين كان حزب الله يعلن أن بيروت مغلقة حتى إشعار آخر، فكانت القاهرة هي الوجهة الأولى آنذاك، وتدفق السعوديون على مختلف المدن والشواطئ المصرية، بينما كانت شوارع بيروت خالية إلا من الأعلام الصفراء. وكمحاولة استباقية أعلن مصدر عسكري مصري أنه سيتم رفع حظر التجول تماما في منتصف شهر يونيو الجاري، إلا أن الإعلان جاء بعد أن تغيرت الخارطة السياحية الصيفية للسعوديين، ومع ذلك أعادت وزارة السياحة في مصر تنشيط حملتها الترويجية: مصر.. بداية الحكاية والبيت بيتك، ورغم ذلك يثق السعوديون كثيرا بمصر والمصريين، وسيتدفقون بالملايين هذا العام، حسب معلومات مكاتب السياحة والسفر، فالحياة في مصر دائما ما تضم إيقاعا لا يمكن إيقافه دائما حتى لو توقف لأسابيع أو لأشهر إضافة إلى أن القاهرة ليست المقصد الوحيد للسعوديين، فالكثير منهم يتجهون إلى الشواطئ والسواحل، وهي أماكن لا تتأثر غالبا بما يحدث، ولديها القدرة على استعادة لياقتها مباشرة.
تركيا تتربع هذا العام على كرسي الخيارات السياحية السعودية، خاصة بعد ما شهدته في العامين الماضيين من تطبيع ثقافي بين السعوديين والأتراك قادته المسلسلات التركية ذائعة الصيت، وكان كل مسلسل أشبه ما يكون بحملة ترويجية عبر مشاهد لا يتابع فيها المشاهدون البطل فقط وهو يتحرك بسيارته وإنما يتأملون المناظر التي تحيط به.
الذاهبون إلى أوروبا للسياحة، يؤكدون على أن ثمة طبقية يمثلها الصيف كذلك، وهؤلاء لا يتأثرون بأخبار المجلس العسكري المصري، ولا يأبهون بالمظاهرات التي تعم ريف دمشق، لأنهم ذاهبون إلى بلدان عرفت مبررات الاستقرار مبكرا، ولا توجد براكين هذا العام قد تؤثر على حركة الملاحة الجوية، والسياح السعوديون في أوروبا غالبا ما يكونون أكثر اتزانا من غيرهم، بفعل القوانين والأنظمة الصارمة، بل هم الأقل سهرا، والأقل صخبا، والأكثر استمتاعا بالنهار من الليل.
سياحة الليل المفتوح تزدهر في بيروت والقاهرة إذ لا قيمة للنهار غالبا، ولا يبدأ الناس يومهم إلا بعد الرابعة عصرا ويستمر ذلك إلى ساعات الفجر الأولى وألبومات الصور التي يعود بها السعوديون من سفرهم، لا تحمل سوى صور ليلية غالبا، وفي أماكن محددة ومعلومة.
إذن، ليفتح السعوديون جيوبهم، وليفتح العالم خزائنه، لأننا قادمون.