على فاتورة إقامتي الفندقية يأتيني الرقم مضروباً في ثلاثة. ليلة واحدة تتحول إلى رقم مكعب وكل ما في الأمر ببساطة أن أوقع الفاتورة النهائية طالما أن الوزارة هي من ستدفع. وتوقيعي على فساد بالمال العام لألفي ريال، لا يختلف عن توقيع غيري على مليوني ريال، وكل القصة في الموقف والمبدأ. وحين رفعت صوتي وطلبت مقابلة المدير العام يأتي بروده بمثل ما كان في دواخلي من غضب وحرارة: ببساطة يمكنك أن تنصرف دون توقيع، ومرة أخرى يعيد ذات الجملة إلي: الوزارة هي من ستدفع. غادرت وأنا مؤمن أن توقيعي وإصراري على الفاتورة الصحيحة لن يغير في الأمر رقماً واحداً فهم سيطبعون بعدي من الأوراق ما يريدون دون حاجة لتوقيعي سيما أنهم كرروا الحقيقة وأمامي لمرتين. ومرة أخرى فأنا لا أضحك على أحد، سوى على نفسي، وأنا أوزع أمام كاونتر الاستقبال تلك المواعظ والدروس الأخلاقية. أنا لا أتحدث عن فساد في الإدارة الفندقية لأننا لم نصل بعد إلى تضييق الخناق على هذه الصغائر من قصص الفساد ولكنني آخذها كشريحة مجهرية من جسد الفيل الضخم.

الحكومة في خضم ظروف الطفرة المادية الهائلة تتحول إلى أكبر زبون في هذا السوق الاقتصادي العملاق. الحكومة نفسها تضخ في السوق ثلثي تريليون في العام الواحد، وكل ما في الأمر أنني وقفت على حالة شاردة لقضمها هدراً وفساداً بألفي ريال. سؤالي: هل شاهدتم أين ذهبت هذه المليارات التي أكتب عنها كل سبت ونسمعها كل يوم في نشرة التلفزيون؟ والحقيقة أنها تذهب وتتناقص رقماً رقماً إثر كل توقيع. حتى الأبرياء على شاكلتي يصبحون شاؤوا أم رفضوا جزءاً من ماكينة التوقيع الهائلة على فواتير ومستخلصات الفساد. الفارق أن كوادر الاستقبال في الفندق لم تفاوضني على حصتي من قطعة الفساد فلربما تعجز الأنفس أن تقاوم هذا المد المخيف الذي ينخر في جسد المبادئ.

والجواب أنني صرت اليوم أكثر إيماناً أن ماكينة – التوقيع – الهائلة على كل الأوراق الإدارية هي من يأكل ويقضم هذه الكعكة العملاقة من المليارات. احسبوا حجم الفساد المالي بعدد التواقيع. تخيلوا كم – توقيعاً – ندفع به آلاف الأوراق على المال العام في الساعة الواحدة. تصوروا أن الحكومة زبون لما لا يقل عن خمسين ألف شركة تنفيذ مثلما هي زبون لضعف هذا العدد من شركات التوريد، حتى البريء الغبي من شاكلتي سيوقع: لأن الحكومة هي من ستدفع.