الطبيب هو من يعالج المريض، وهو أدرى الناس بطبيعة المرض، وسيره وترقيه، فماذا نقول عن طبيب يعرف عن نفسه أنه مصاب بداءٍ عضال، لافكاك منه ولا خلاص، وكيف يواجه الموقف؟

ربما كان من رحمة الله على المريض أنه لايفقه كثيراً مما يتناقله الأطباء من مصطلحات ومغيبات (ماليجنانت؟ تيومر؟ دنجرس؟ هوبليس؟ انترستينج كيس) ومعنى الكلمات الخمس التي مرت (خبيث ـ ورم ـ خطير ـ لا أمل فيه؟ـ وحالة طريفة أو مثيرة؟) وترجمة هذه الكلمات للعامية: أن المريض إما ظهر عنده تورم خبيث لا فائدة فيه من أي علاج، وأن الحالة خطيرة ولكنها مثيرة للطبيب لندرتها، في الوقت الذي هي كارثة لصاحبها.

ليس هنا الشاهد تماماً، ولكن كيف الحال حين يتعرض طبيب مختص بالأورام السرطانية، ويعرف عنها أكثر من أوضاع أهل قريته وجيرانه، ثم يكتشف أنه بها مصاب، وعلى نحو سريع يصعب التكهن به؟

روى لي صديقي الدكتور (شابسيغ) من أميركا كيف نجا من محكمة مرعبة في حالة مريض مر عليه، وقال له: ليس هناك من أمر جلل، ليكتشف بعد ستة أشهر أنه مصاب بسرطان البروستات!

رفع المريض الأميركي دعوى قضائية على الدكتور شابسيغ فيما رواها لي، ودامت سنوات، وركب عليها محامي الدفاع قصة الراعي وجرة العسل والعصا! هل تعلمون ما هي؟

جاء في كتاب كليلة ودمنه: أن راعياً حلم وهو مستلق على ظهره وبيده عصا أن مُلكه لخاروف وعنزة تطور إلى مستوى القطعان، ثم زاد الحلم وانتفخ، وكأن هناك من أزعجه في أمر، فصرخ عليه، ثم لوح بالعصا التي في يده، وخبط فأصاب جرة العسل فوق رأسه، فخر العسل فملأ المكان، وتعرفون معنى انسياح العسل في موضع؟

صاحبنا الأميركي أغراه المحامي أنه سيربح الدعوى بقيمة سبعة ملايين دولار، فقد افترض أشياء كثيرة كان سيربحها لو قُدر له أن يعيش سليماً بدون سرطان. وبعد عدة سنوات نجا صديقي طبيب البولية، وقال لي: لحسن الحظ كنت قد صورته حين مر علي بالتصوير المحوري الطبقي، وهو أمر لا نعمله للكل، ولكن ضرب الحظ هنا، وكنا قد صورناه بدون أي دلالة على وجود ورم، وهذا يعني أن الورم نما بعد تلك الزيارة الميمونة.

هذه القصة هي لمريض وليس لطبيب، ولكن جاءتني رسالة من طبيب أحبه وأقدره، ينعى نفسه ويقول إنه أصيب بالورم الخبيث، وهو يسري في جسده، وقد وصل إلى رئتيه فأرسل لي ينعى نفسه، ويودعني ويسامحني، ويستسمحني إن كان قد أساء إلي في شيء، وقال لي إنه لا يعتقد أننا سنجتمع من جديد. وفي تقديري أن هذه الحالة مليئة بالتحدي، لطبيب يعرف مسير ومصير الحالة.

قرأت عن طبيب مختص في جراحة الصدر، وعنده عمليات استئصال لأورام الرئة كل يوم أو يومين، وكان هذا الجراح مدخناً، فقال إنه شعر يوماً أن صدره ليس على مايرام، وكانت صدمته شديدة حين رأى صدره وقد انتشر فيه الورم، فلا فائدة من أي جراحة، وهنا يضحك القدر كما يقال "الطبيب يعالج غيره ولا يستطيع أن يعالج نفسه" وكما قال الرب في محكم التنزيل إنه ليس ثمة من راق إذا "التفت الساق بالساق إلى ربك يومئذٍ المساق". زيادة في الاحتياط أخذ صورة الأشعة إلى زميله طبيب الأشعة وقال له على نحو حيادي ما تقول في هذه الصورة الشعاعية؟ تأملها الطبيب الزميل والتفت إليه وقال إنه ورم منتشر لا أظن أن الجراحة تستطيع أن تفعل شيئا أليس كذلك يا صديقي جراح الصدر ؟ أجاب إنها لي يا صديقي! شهق طبيب الأشعة، وقال: ليتك لم تخبرني أنها لك! قال: على العكس من أجل أن أبقيك حيادياً في الحكم.

لم يطل المقام بجراح الصدر، فمات بعد قليل مختنقاً بورم يزحف على صدره، وقال وهو في سكرات الموت: إن كنت نادما على شيء فهو عدم ترك التدخين مبكراً.