في الوقت الذي انتفضت فيه بعض الشعوب العربية على أقدارها بحضور ثوري قوي، وراحت تغير من واقعها الذي رأت أنه قد أثقل كاهلها على مر عقود؛ فقد توقعت تلك الثورات ربما أن تحظى بمساندة المثقف العربي، الذي نظّر كثيراً للثورات باختلاف أشكالها سياسية وثقافية واقتصادية. إلا أن المفاجئ بالفعل هو تواري المثقف العربي خلف زخم التحرك الثوري للشارع.

المعروف أن التصاق المثقف وتعلقه بنهم المعرفة يجعله محل تطلع من قبل المحيطين به، وتعويلهم عليه لفك رموز بعض ما استشكل في مشاهد اليوميات وقراءة المستقبل من خلال الوقوف على المتغيرات، وتقييم الواقع وحجم المكتسبات، واستشعار نوع وشكل الحركة القادمة لتلافي مآزقها وإشكالاتها.

إلا أن ثورات الشوارع السياسية العربية فوجئت بما يُشبه نكوص مثقفيها عن مشاهدها وتفاصيلها بالكلية، أو ما يمكن وصفه بغياب الأصدقاء. وإحجامهم حتى عن مساندتها في عز حاجتها ولو (بجبر الخواطر).

فهل بات المثقف العربي في محنة حقيقية كشفت عنها ثورات الشوارع العربية؟ قد يكون ذلك صحيحاً في ظل سلبية المثقف العربي طوال عقود خلت نادى خلالها بضرورة تبني النهج الديمقراطي وتفعيله في أوساط المجتمعات العربية، لكنه أيضاً ظل كامناً عديم الحركة، وهي التي كانت ستمكنه من ترسيخ مفاهيم النداءات المطالبة بتفعيل المنهج الذي آمن به وتتوق إليه مجتمعاتنا العربية، وكأنه بذلك يشكك في امتلاك الشعوب العربية درجة الوعي الكاملة أو الكافية كما يراها من منظوره الخاص عطفاً على متغيراتها الاقتصادية، واستعدادها للدخول في وضع التغيير، والتماهي مع المنطق الديمقراطي الحقيقي الكامل كتجربة ممكنة!

في الشوارع العربية لم يتسن التغني يوماً برؤية مسيرة لمثقفين ترفع شعار التغيير، وتنادي بضرورة تطبيق النظم الديمقراطية، ولم يُستشعر قط بأن ذلك وشيك على الأقل لتُستلهم روح النضال لفعلها يوماً.

يبدو أن المثقف العربي واقع في عراك عنيف بين مبادئه المكتسبة وعواطفه الأصيلة حتى في ظل طغيان العولمة أخيراً على عالمه بالكامل. وربما قد تسبب له ذلك الصراع بظهور مآزق وإشكالات توجب عليه حلها أو التواصل معها قبل أن يقرر موقفه وشكل خطواته التالية وصناعة القرار، أو البت على الأقل فيما بين يديه من واقع. وقد يعود سبب ذلك إلى قلة ثقة المثقف العربي في إمكانية التأثير على الشارع العربي بما يكفل تحركه بشكل جماعي يحقق التغيير من الداخل لا من الخارج، وكذلك قلة إيمانه بحجم التأثير العام لخطابه على المجتمع، وبالمدى الذي وصل إليه في عقلية المتلقي، ربما لغياب ثقافة آلية القياس التي تعتمد اختبار ردة الفعل في الشارع العربي من حين لآخر. فهل عزل المثقف العربي نفسه عن مجتمعه أم أنه لم يصل بعد للحظة النضج التي تمكنه من حسم مواقفه خاصة تلك التي تتعلق بالشأن السياسي؟ ولماذا اكتفى بالوقوف على قارعة التغيير الفعلي على أرض الواقع، خاصةً أنه جزءٌ مهمٌ من يوميات مجتمعه الدقيقة؟

المثقف بشكل عام هو أكثر المتأثرين بما حوله من المتغيرات على كل الأصعدة، وهو أيضاً من أكثر المؤثرين لكنه ليس أقواهم تأثيراً في مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن على الأقل. فواقع سيطرة السياسي على مجمل الحال في المجتمعات العربية، يجعل المثقف مترنحاً بين حالة من اليأس أو ما يشبه القهر الفكري التنويري، وبين أحقيته في ممارسة دوره كمبشر بالفضيلة والتنوير، ما يجعله معزولاً عن تبيان حقيقة ما أنجزه، وما يتوجب عليه القيام به كخطوة مستقبلية، وحقيقة المعطيات الناتجة عن تحركاته السابقة.

يبقى نموذج المثقف العربي خارج نطاق الوعي بماهية المثقف الحقيقي، ويتحول لما يطلق عليه (بالمثقف التقني) الذي يهتم بالتخصص. وهنا ينسلخ المثقف عن التواصل مع مختلف النواحي التي تقتضي تواجده وفاعليته كالعلوم السياسية مثلاً، والتي يرى البعض منهم بعدم أهمية مشاركته بها، كنوع من الواقع الاجتماعي، ويصنفها كعلم اجتماعي لا شأن له بها. وهو ما يسميه "إدوارد سعيد" بــ"غيتو" التخصص الذي يبتسر صفات المثقف ويختزلها في الصفة "التقنية" التي لا تعرف وظيفةً لها سوى نفسها. ومن جهة أخرى يقول "إدغار موران": ما من مفهومٍ واضحٍ تماماً، ويصعب تعريفه في الوقت ذاته مثل مفهوم المثقف.

فأين يقف مثقفونا من المشهد العربي والعالمي ومتغيراتهما؟. وهل يعكس ذلك واقع المثقف العربي بالفعل؟