هل تخافون الأشباح!؟ هل تخافون الجان أو الأرواح الشريرة والحسد والسحر؟! ماذا عن الخوف من الأموات؟! أيمكن أن يكون للأموات وجه آخر ليس ذلك الطيب الذي نودعهم به ونحن ننثر عليهم التراب والبكاء ؟! أيمكن أن تتخيل يوما أنك "تستيقظ/ ين" صباحا وحين "تغسل/ ين" وجهك في المرآة فجأة "تجد /ين" أن خلفك وجه أبيك أو جدك يرميك بلحظِاته الباردة وهو الذي مات من خمسين سنة أو أكثر! كيف ستكون تلك اللحظة!؟ أو ربما حين تقود سيارتك وتنظر للمرآة فترى جدّتك الميتة تجلس في المقعد الخلفي لك !؟ وحين تذهب إلى عملك تجد مجموعة من أقربائك الأموات في مكتبك، ينتظرونك في برود متخشبين وكلّهم يراقبونك بنظرات زرقاء! أيمكن أن تتخيل أنك أينما توجهت يكون في إثرك سرب من الأموات من مختلف العصور يتبعونك وأبناءك وزوجتك! فكل جريمتك أنك حيّ تُرزق وهم أموات! أو تتخيل لحظة أن المدينة التي تسكنها غزاها جيش من الأموات فتراهم في الطرقات والشوارع والحارات يتبعون الأحياء حولك !! كيف تكون هذه اللحظة.. متوترة أم مخيفة؟
هكذا تخيلت كثيرين منّا كضحايا لأعراف آبائهم وأجدادهم الأموات؛ ممن رحلوا منذ سنوات طويلة وربما قرون؛ وباتوا في برزخ لا يعلم سرّه إلا خالق الكون؛ لكنهم تسلطوا علينا بما خلفوه من تركة كثيرها كاسدة من عادات وتقاليد اجتماعية ضد الحياة والواقع، ولا وجه لها في الدين سوى أنها من العُرف الذي تمّ شرعنته، لكي نؤكد بها وفاءنا فقط للأموات من آبائنا على حسابنا نحن الأحياء؛ معتقدين أننا نحيي ذكراهم؛ فنحن شعبٌ عاطفي وفيّ وأبوي؛ كأن لا تقود المرأة السيارة!! كأن لا يتزوج القبلي إلا قبلية ومن ذات فخده وإلا كان الطلاق لعدم تكافؤ النسب!! كأن لا يخطب الرجل إلا ابنة عمه وإلا! كأن تُحرم المرأة من إرثها وتتنازل عنه لإخوانها الذكور! كأن لا يرى العريس عروسه إلا ليلة دخلتهما رغم عقد قرانه عليها!! كأن لا تسافر إلا بمحرم وإن كان هو ابنها المراهق المسؤولة عنه!! كأن.. كأن.. كأن.. وكم من حيّ يرزق حولته هذه العادات والتقاليد إلى ميت يسكن الحياة!!فهل نخوض اليوم معركتنا مع الأموات فعلا!؟ إنهم يأبون إلا أن تتسلط أعرافهم على معاشنا وحياتنا وواقع عصرنا!! لماذا حولناهم إلى أشباح تلاحقنا وتراقبنا إن لم نطبق عرفهم كانوا لنا بالمرصاد!!لماذا نحكم على أنفسنا بالموت وعلى مجتمعنا بالهزيمة أمام الحياة!! لماذا نسمح لهم بأن يحولوا الحياة لنا مقبرة كبيرة ونصبح جيرانهم لا فرق بيننا وبينهم إلا أننا فوق التراب الذي سبقونا هُم إلى جوفه!!؟ عجيب أمرنا فعلا! كيف بنا لا نتعلم من الأموات شيئا، كأن نهزم موتهم كما هزموا هُم موت آبائهم وعاشوا حاجاتهم!؟ إنهم أموات يحسدوننا على الحياة ولا يرغبون أبدا أن نعيش سلاما مع عصرنا ومعاشنا ورحمة وسعها السماوات والأرض وهبها الله تعالى لبني آدم وحواء! كيف لا نتعلم منهم كيف نستحدث عاداتنا وتقاليدنا التي تتناسب مع معاشنا وهويتنا!! كيف نكون أوفياء للحياة والأحياء بدلا من الموت والأموات!؟
كلاكيت أول مرة:
يقول عالم الاجتماع الفيلسوف ابن خلدون: "اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل إن الأحياء أموات".