أمسى العجز العربي المتواصل، عن تقديم أجوبة عملية لمستقبل هذا الجزء من العالم، أمرا مسلما به من قبل غالبية الجمهورفي بلداننا العربية. وكان السؤال ولا يزال، يتركز في أسباب هذا العجز. أجوبة معلبة حمل بعضها المستعمر الغاصب، تبعات ما نحن عليه الآن من تخلف وضعف وعدم قدرة على أخذ المكان اللائق بنا كبشر على ظهر هذا الكوكب. وحمل بعضها الآخر، جوابا جعل من سيادة أنظمة الاستبداد وغياب الحرية واحترام الرأي والرأي الآخر، أسبابا فيما نحن عليه الآن.
وقد مارس حملة الأجوبة المعلبة إرهابا وتحريضا واتهاما، يضاف إلى جملة التابوات التي تعاني منها المجتمعات العربية. فليس عليك إلا فتح فمك، لتصنف في خانة إما المارينز العرب أو المتخشبين والعدميين من تركة الستينات. وشعار الحرية أصبح ليلى، التي يدعي الكل وصلها، لكنها ترفض الإقرار بادعاءاتهم.
تسود في الواقع العربي حالة احتقان عميقة، سادت لعقود طويلة. وهناك عجزشامل عن الخروج من شرنقة الماضي، والولوج في العصر الكوني الذي نعيشه، العصر الذي يتحرك من حولنا بسرعة تفوق سرعة الضوء. وحراكنا حتى الآن، رغم صخبه، حراك بطيء تصاحبه مخاطر أي حراك عفوي شهدته البشرية على مر التاريخ، عرضة للتقدم، كما هو عرضة للانكفاء.
ردة الفعل على ذلك، تواجهنا حيثما يممنا بصرنا في الوطن العربي الكبير، تطالعنا عواصف التغيير المطالبة بالإصلاح، يقودها جيل واجه الحرمان والكبت وقرر كسر قيوده. وليس على المؤمنين بحق هذا الجيل في تقرير مصيره، سوى مساندة مطالبه، خاصة أن دعواته، رغم صخبها وعنفوانها اتسمت بالطابع السلمي، واتسمت بملمح حضاري. والأهم من ذلك، أنها حافظت على كيانية الدولة، ولم تتجه نحو منزلقات تمزيقها وتفتيتها. فكان ما يلوح الآن أنه العبور إلى شاطيء الأمان.
أمام هذه المتغيرات، لا مناص من التسليم بأن الاختلاف في الرأي هو من نواميس الطبيعة وسنن الكون. فنحن في النهاية بشر لنا أهواؤنا ورغباتنا المختلفة، ولسنا نماذج مستنسخة، أو صدى لبعضنا . إنه لذلك يفرض علينا النظر إلى الاختلاف في الرأي كظاهرة صحية وطبيعية.
إن الإقرار بذلك، يعني بداهة التسليم بأن من حق كل فرد العمل على أن تأخذ قناعاته ورؤآه ومصالحه حيزا مناسبا في المجتمع الذي يعيش فيه ضمن الرؤى والمواقف والمصالح الأخرى. إن غياب التسليم بالاختلاف من شأنه أن يؤدي إلى الصدام في المجتمع الواحد. ولن ينتفي ذلك إلا بوضع ضوابط ومصدات تحول دون وقوعه، أساسها الاعتراف بالحقوق والتكافؤ.
كيف يتحقق ذلك؟! سؤال تاريخي، ظل هاجس الفلاسفة والمفكرين، منذ أرسطو طاليس في اليونان، في كتابه "السياسة" وقوانين حمورابي، وتواصل لقرون طويلة. ولعل كثيرا من الأساطير والملاحم في الحضارة اليونانية، وحضارات ما بين النهرين، حاولت أن تجيب عن السؤال، وربما تمكنت من الإجابة عنه في حينه، وربما أيضا كانت إجابتها صحيحة آنذاك، ولكن رحلة البحث المضنية عن جواب نهائي تظل مستمرة، لا تصل إلى جواب نهائي، لأنها في ذلك أسيرة لحراك تاريخي متواصل يشير إلى عدمية البحث عن الجواب، ولسوف تبقى الرحلة مستمرة في دورات متعاقبة، لا تنقطع، طالما استمر بقاء النوع الإنساني.
وفي التراث السياسي الكلاسيكي الحديث، لخص ماكس فيبير في كتابه الأخلاق البروتستانتية تلك المراحل، مبتدءا بمرحلة القبيلة، حيث يعتمد النظام السياسي على شبكة معقدة من التقاليد البدائية، ويحكم فيها شيخ القبيلة. والكاريزما وفيها يتعلق الجمهور بجاذبية القائد ويسلمه الراية مانحا إياه ثقته. وفي التراث الإسلامي شيء قريب من ذلك عرف بـ "المستبد العادل". وكانت نهاية المطاف في التراث السياسي الغربي هي العقلانية القانونية. وتعتمد على التخصص في مختلف المجالات وتوسع الأجهزة البيروقراطية وتقسيم الوظائف وسيادة نظام يقوم على التعددية والمؤسساتية والمجتمع المدني. والتشخيص هذا صحيح إلى حد كبير. وقد اعتبرها فوكوياما نهاية التاريخ.
والخلاصة أن أي نظام سياسي أو اجتماعي إذا تم وضعه في إطاره التاريخي، يبدو منطقيا وعمليا وسليما. لكن ذلك لا يعني أن الأنظمة التي سادت في التاريخ، حظيت بإجماع وتأييد مطلق من قبل شعوبها. ولذلك يسجل التاريخ في أسفاره قصص الكثير من الحروب المحلية وثورات الغصب والجوع وحالات التمرد. لا بأس إذن من التسليم بأن وجود معارضات سياسية في البلدان العربية هو قانون طبيعي، من المستحيل تجنبه، وأن ذلك وضع صحي وإيجابي، إذا تم التعامل معه، من قبل مختلف الأطراف، بطرق حضارية ومشروعة، تستلهم من ثوابت الأمة دليلا وموجها لحركتها. وهنا بيت القصيد ومربط الفرس، وهذا هو بالدقة ما نعنيه حين نؤكد على الالتزام بمنظومة القيم الوطنية والقيم الأخلاقية، التي تشجع على المحبة وإشاعة روح التسامح، وتحرض على الكشف وتعتبر العلم من الإيمان، والحفاظ على الوحدة الوطنية.
فليس من المنطقي، أن تستعدي المعارضة الوطنية القوى الأجنبية وتشجعها على التدخل في شؤون أوطانها، أيا تكن اليافطات المرفوعة، أو أن تأتي إلى الحكم على ظهور دبابات تلك القوى. ولا أن تعتبر التفتيت والمحاصصة الطائفية، وسيلة لتحقيق غاياتها. وبالمثل لا يجوز للحاكم أن يتقوى بالأجنبي على أبناء شعبه. لا بد من تنظيم للعلاقة بين مختلف الأطراف، وأن يتم حسم الخلافات بين الحاكم والمحكوم بلغة الحوار، وتأمين حقوق الجميع، بتكافؤ وندية ومساواة. وفي ظل الخلافات المستعرة بين مختلف مكونات النسيج الاجتماعي، فإن من المنطقي أن ينبنى التفاهم والتوافق على أساس من المساومات والتسليم بالواجبات والمستحقات، لكل الأطراف بما يضمن سلامة الوطن ويؤمن استقراره ورخاءه.
وتبقى محاور أخرى للمناقشة في أحاديث أخرى قادمة بإذن الله تعالى.