قرأتُ مؤخرا مقالة لأحد الكتّاب يُصنّف بأنه "باحث استراتيجي" عن بلد عربي وصله زحفُ ربيعِ التحولات. يعرض الكاتب وفق تصوّره السيناريو المنتظر فيما لو فشل النظام في استيعاب الانتفاضة الشعبية التي يسيطر عليها - بحسب رأيه - السلفيون والإخوان المسلمون. السيناريو عند هذا الباحث الاستراتيجي: كارثة أمنية وسياسية واستراتيجية على المنطقة برمّتها!.
هنا يرتفع النظام السياسي المُدافَع عنه إلى صمّام أمان ليس للبلد وحدها ولا لدول الجوار، بل للمنطقة بأسرها. بقاؤه يعني بقاء الدولة والنظام والقانون والأمن ومعه تستقيم شعيرة الممانعة ويستوي ميزان القُوى في المنطقة.. وزواله يعني الكارثة المتشعبّة وتوابع الزلزال المدمّرة من المركز إلى الأطراف؛ العربية وغير العربية. وكأن هذا النظام السياسي هو الحجر الرئيسي في قصر النعمان ملك الحيرة المسمّى بالخورنق، والذي بناه سنمّار وتقول الحكاية إن هذا الحجر يمسك بالقصر، فإذا أُزيل هذا الحجر فإن القصر سينهدم.
والخلاصة التي يُراد لها أن تستقرّ في الأذهان هي أن هذا النظام ضمانة وأمان، وعليه يتوجّب وأد نداء التغيير وتغييب أشواق الناس في البلد إلى الحرية وقيام دولة الحق والقانون.
المعادلة هي إما وإما:
نحن أو لا أحد
نحن أو الطوفان
نحن أو الخراب
نحن أو القيامة.
على هذه الشاكلة من التنظير الذي تنكتب وفقه المآلات في صورة سوداء كالحة؛ تمضي نذر التهديد والوعيد بالكارثة المقبلة التي لا محيد عنها. فوضى في الدول وانحلال مجتمعاتها، والاحتراب الداخلي، والتمزق إلى المكونات الفرعيّة من مناطق وقبائل وطوائف ومذاهب. بما يعني تفتّت كيان الدولة إلى شظايا تطفو في جحيم اللاستقرار.
مبدعو سيناريو الكارثة لا يريدون من الشعوب العربية أن تنتظر شيئا إيجابيا يسفر عنه حراكها السلمي.. لا يرون أدنى خلل في بنية الأنظمة التي أجبرت الناس على الخروج إلى الشارع.
هؤلاء "الكوارثيون" غطاء قبيح؛ يدّعي الحكمةَ وبعد النظر. ينصبّ نقدهم البائس على شعوبهم ومجتمعاتهم؛ الهشّة الضعيفة والساذجة التي يغرّر بها "المندسّون والمتآمرون".. شعوب ومجتمعات من السهل وقوعها في مصيدة الخديعة والانجرار إلى "لعبة الخارج". ويبقى علينا أن نصدّقهم وأن نكّذبَ الدم والتنكيل والتشويه و"التعفيس".
ينسى هؤلاء "الكوارثيون" أن النقطة الحرجة التي وصلتْ إليها الشعوب لم تكن من نتاج أيديهم ولا من صُنع مطبخ خارج الحدود. الاستبداد، والفساد، وانسداد الأفق على تباشير الإصلاح؛ هي من أضرم الشعلة.
علينا نسيان "الشبّيحة الاستراتيجيين".. فالحجر المتقلقل سوف يهوي وحده، وسيبقى القصر. هذا ما يقوله الواقع لا الأسطورة.