في الخبر المنشور في الصحف المحلية والمتضمن مطالبة أحد أعضاء مجلس الشورى بضم ديوان المراقبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في كيان واحد وذلك لتشابه الاختصاصات بينهما.
ومن الخبر السابق هناك اعتراف صريح بوجود ازدواجية في الاختصاصات بين الديوان والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وليس هذا فحسب، بل إن بعض الأكاديميين والمختصين يرون أن هذه الازدواجية موجودة بالفعل، ليس فقط بين الديوان والهيئة، بل موجودة أيضاً بين الديوان ووحدات المراجعة الداخلية التي تم إنشاؤها مؤخراً، وطالبوا بدمجها أيضاً مع الديوان.
وفي سلسلة مقالات سابقة في صحيفة "الوطن"، قد أوضحت مهام ومسؤوليات كل من الديوان والهيئة ووحدات المراجعة الداخلية، وذكرت أن العلاقة بين هذه الأجهزة هي علاقة تكاملية تتمثل في تعاون هذه الأجهزة فيما بينها، وذلك كل على حسب اختصاصه.
وبالطبع فإن هذا الكلام لا يعني بالضرورة انتفاء الازدواجية بين عمل هذه الأجهزة على أرض الواقع، فمن الناحية النظرية ليست هناك ازدواجية، ولكن الازدواجية قد تنشأ بسبب المفاهيم الخاطئة عن الرقابة الحكومية، وبالتالي تتشابه أساليب العمل والممارسات فيما بين هذه الأجهزة، وخاصة إذا كانت هذه المفاهيم موجودة لدى المختصين والمسؤولين والعاملين سواء داخل الأجهزة الرقابية أو خارجها.
وفيما يلي استعرض بعض المفاهيم الخاطئة عن الرقابة، والتي تؤدي في نظري إلى ازدواجية العمل الرقابي بالإضافة إلى التأثير السلبي على فاعلية وكفاءة الرقابة الحكومية بشكل عام، وذلك على النحو التالي:
1) دور الرقابة الحكومية يتمثل فقط في عملية التدقيق المستندي وبمعنى آخر أن دور ديوان المراقبة ينحصر في مخاطبة الجهات الحكومية لاستكمال بعض مستندات المعاملات أو المنافسات, أو طلب تسديد بعض المبالغ غير المستحقة التي ارتُبط عليها سابقا.
2) مفهوم المساءلة يعني لدى البعض محاكمة المسؤول أو الموظف عند ارتكابه مخالفة مالية أو إدارية فقط.
3) اعتبار الرقابة مجرد وظيفة حكومية لا تحكمها أية معايير مهنية، وهذه المعايير تتعلق فقط بالقطاع الخاص في الشركات والمؤسسات.
4) غياب مفهوم أنظمة الرقابة الداخلية (المالية والإدارية)، وكيفية تقييمها، ودورها الوقائي والكشفي عن حالات الفساد، بالإضافة إلى أن مكافحة الفساد هي فقط من اختصاص الهيئة الوطنية.
5) اختزال مفهوم الاستقلالية للأجهزة الرقابية في الاستقلال عن وزارة المالية ووزارة الخدمة المدنية فقط، وحصر هذا المفهوم في الحصول على الحوافز المالية والوظيفية.
6) الهدف الرئيسي من الرقابة هو البحث عن الأخطاء وكشف المخالفات، وعليه يتم قياس أداء الأجهزة الرقابية بما تكتشفه من أخطاء ومخالفات.
وتأسيساً على ما تقدم فإن هذه المفاهيم سوف تؤدي إلى ضعف الرقابة بشكل عام، وتكون ممارستها شكلية روتينية، ويمكن من خلالها الهروب من المسؤولية القانونية للرقابة، فضلاً عن ازدواجية الممارسات بين الأجهزة الرقابية المعنية.
ولنأخذ على سبيل المثال المشاريع الحكومية في ظل نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، ونرى كيف تتم الرقابة عليها من خلال الأجهزة الرقابية التي تدخل ضمن مهامها واختصاصاتها وهي (وزارة المالية، ديوان المراقبة العامة، إدارة المراجعة الداخلية، والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد)، وعلى أساس المفاهيم السابقة للرقابة التي تم استعراضها آنفاً.
سوف تكون الممارسات الرقابية على النحو التالي:
تقوم وزارة المالية بالرقابة السابقة على عقود المشاريع عن طريق المراقب أو الممثل المالي في الجهة الحكومية، وهذه الرقابة تتمثل عند اعتماد المشروع، وعند صرف مستحقات المقاول، والرقابة هنا تعتمد بشكل أساسي على متطلبات نظام المنافسات والمشتريات الحكومية، وبالتالي يتم التأكد من المستندات المطلوبة مثل محضر لجنة فتح المظاريف، ولجنة فحص العروض، وتقارير التحليل المالي والفني للعطاءات المقدمة، ومتطلبات أخرى، وبنفس طريقة التدقيق هذه يقوم ديوان المراقبة بالرقابة اللاحقة على هذه العقود، وبنفس الطريقة أيضاً تقوم إدارة المراجعة الداخلية بالتحقق من وجود هذه المستندات ونظاميتها الشكلية، وربما تقوم الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد بهذا الدور أيضاً.
وبهذه الطريقة يتضح وجود ازدواجية بين عمل الأجهزة الرقابية في عملية المراجعة والرقابة، فهم يتبعون نفس الأسلوب، ناهيك عن شكلية هذه المستندات التي تحرص الجهات الحكومية على استكمالها لمتطلبات النظام فقط، وهنا ينشأ الصراع بين الأجهزة الرقابية نفسها من جهة، وبينها وبين الجهات الحكومية من جهة أخرى على أمور تكاد تكون شكلية وليست جوهرية، وبالتالي حتى لو أن هذه الأجهزة نالت استقلالها الوظيفي والمالي، فإن الأمور سوف تبقى على ما هي عليه.
والحل يكمن في المعايير المهنية للمراجعة والرقابة، فهناك معايير مهنية خاصة بديوان المراقبة، ومعايير مهنية خاصة بوحدات المراجعة الداخلية تتضمن إجراءات تفصيلية لأفضل الممارسات الرقابية، فلو فهمت هذه المعايير وتم تطبيقها بالشكل المطلوب، لانتفت الازدواجية وتم التركيز على المشاكل الجوهرية للإدارة، وحينها سوف نفهم أكثر ما هي الرقابة الحكومية.
فلو أن الجهات الحكومية قامت بتصميم أنظمة رقابة داخلية على مشاريعها، ومن ثم قامت وحدة المراجعة الداخلية بتقييم هذه النظم وفق المعايير المهنية لمساعدة إدارة الجهة في ذلك، ومن ثم قام ديوان المراقبة بتقييم محايد ومستقل لوحدة المراجعة والأنظمة الرقابية لإعطاء مصداقية وثقة أكثر في التقارير المالية والإدارية، ومن ثم تتم مناقشة هذه التقارير المصادقة عليها من قبل الديوان تحت قبة مجلس الشورى.. وفي حالة اكتشاف حالات الفساد تقوم الأجهزة المعنية بتبليغ الهيئة الوطنية بذلك، والهيئة حسب اختصاصها سوف تتأكد من أنظمة الرقابة الداخلية بهذا الخصوص، وبالتالي تكون علاقة الأجهزة الرقابية بالهيئة علاقة تكاملية، حيث إن من مهام الهيئة تحديد نقاط الضعف في أساليب العمل والإجراءات والتي تؤدي إلى فساد في الجهات الحكومية، والمقصود بذلك هو أنظمة الرقابة الداخلية.