قالت لي محدثتي وهي تستغرب قصة انفجار السرطان عند مريضة قريبة لها وأنا أقص خبر من أصيب بسرطان القتامين (Melanoma) في فروة الرأس فانتشر إلى الرئتين، ثم جراح مدخن لم ينج صدره مما أنجى منه مرضاه؛ قالت: ولكن قريبا لي بقي مدخنا طوال عمره ولم يصب بسرطان الرئة!

قلت لها: ولكن قانون الطب ليس رياضيات بسيطة بل معادلات رياضيات معقدة بمجاهيل كثيرة!

قالت: كيف؟

قلت: الرياضيات تقول: واحد زائد واحد يساوي اثنين، ولكن سرطان الرئة عند المدخنين يضم كما هائلا من المعادلات الرياضية لا يقدر على حلها أعظم كمبيوتر في العالم، وما فعله الأطباء أنهم حاولوا الاقتراب من الحقيقة، ولا تعني الحقيقة قط، والاقتراب لا يعني الاقتراب؛ فقد يكون ابتعادا أكثر من سرعة طير الفرقاط في السماء (300كم/ساعة) والشيء الأكيد الذي يعرفه الطب أن رئتي المدخن تصبح أقذر من حيطان المدفأة الشتوية، وأوسخ من سلة المهملات وسطل النفايات، والمرض واقع ولا يشترط أن يكون سرطانا، بل رئة معطبة ونسيجا مهترئاً، ودمارا في الحويصلات الرئوية أشد من انكماش أغصان الشجر في ريح صرصرٍٍ عاتية، وضرب قنابل عنقودية في وسط زحام، وأما الشرايين فتخرب، وأما القلب فيعطب، وأما التنفس فيضيق، ومعه العزم يخف، والنشاط الجنسي يتوارى أو يكاد.

والعكس بالعكس فأكثر من صديق لي مات بسرطان الرئة بدون أن يدخن سيجارة وسيكار وغليون، ذلك أن الطب ليس عنده حتى اليوم مفاتيح فهم السرطان وجدلية عمله وانتشاره في الأنسجة.

فما هو السرطان وجدلية انفجاره وانتشاره؟

في الواقع يعتبر السرطان عتبة مستقلة من الأمراض، وسابقا كان يحار الطب في انفجار الأمراض وموت الناس بالجوائح فكان الطاعون يدخل مدينة فيحصد نصف سكانها وثلثيها ثم يخرج ولا أحد يعرف كيف جاء ولا كيف ولى الأدبار؛ حتى توصل العلم إلى فهم معادلة عجيبة من هجوم كائنات جنية مختفية لا تراها العين وهي تلعب بالصحة أشد من المارادونا بكرة القدم.

لقد عرفوا أن هناك عوامل إمراضية من كائنات استدقت واختبأت وغطست في أبعاد سحيقة؛ فلا ترى إلا مكبرة آلاف المرات بل عشرات آلاف المرات في الفيروسات، ومثلا فمرض الإيدز الذي أخذ إلى المقابر حتى اليوم أكثر من ثلاثين مليونا من الأنام لا يمكن رؤيته على شكل واضح إلا بعد تكبير يصل إلى حوالي ستين ألف مرة فيظهر على شكل كرة بسطح من دبابيس وخوابير.

والفضل في كشف هذا العالم أي عالم الجن الأصغر (وحيدات الخلية والجراثيم) يعود إلى (لوفينهوك) الهولندي الذي يحتاج إلى بحث مستقل؛ فهذا الذي حُبِّب إليه الخلاء انفرد بمجهر بحجم الدولار الفضي القديم يكبر عشرات المرات، وبه استطاع أن ينزل إلى العالم السفلي فيرى كونا يموج بمخلوقات شتى مثل الغوص إلى عمق المحيط ورؤية كائنات لا نعرفها من سرطانات عمياء وديدان عملاقة وسمك يمشي بضوء يصنعه في عمق البحار وكائنات سامة أخطر من سموم أخطر أفاعي الأرض.

وكانت هذه عتبة أي معرفة أن الصحة والمرض هي انكسار التوازن ما بين كائنات دقيقة خفية تقوم بالهجوم، مع الدم الذي يحوي فرقا مدرعة كاملة للدفاع عن الجسم من الكريات البيضاء، حتى جاء عصر الإيدز الموحش ومعه انقلاب الموازين من جديد لفهم أن السرطان هو تحول في تركيب الخلايا الداخلي (الكود الوراثي).

والإيدز مثلا وهو نوع من الفيروسات الشرسة العكوسة تقوم بالتسلل إلى داخل الشيفرة الوراثية فتلتحم بها وتصبح قطعة منها فيعيد الجسم إنتاجها وهو ينتج أدوات قتله بالذات..

وحاليا يعكف العلماء على فهم لماذا تبدل الخلية نفسها؟ وآخر ما توصل إليه العلماء أنهم وضعوا أيديهم على سر الموت والشيخوخة بتآكل نهايات الكروموسومات (التيلومير) بقلة المادة الحافظة لها من خميرة اسمها التيلوميراز، ولذا فالأمل كبير أن يسيطر الطب على مشكلة السرطان كما تمكن يوما من القضاء على الإفرنجي الذي حصد الأرواح وثقب العظام وغشى على الأدمغة حين تم الوصول إلى البنسلين عام 1942 م على يد فلمينج البريطاني فانقرض المرض، حتى أفاق من جديد باستفحال الزنا والفواحش والمنكرات. (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا).