أقصد بهذه المقالة الكثيرات من بنات الوطن، وأتخذ من بنات جيزان أنموذجاً، لقربي من معاناتهن، ومعرفتي الدقيقة بأن عدم حصولهن على عمل قد أحبط الكثير من طموحاتهن، حيث يتفق الكثيرون على تفوق بنات جيزان في ميادين عديدة على مستوى التحصيل العلمي مثلاً، ولا يختلف اثنان أيضاً على تفوق بنات جيزان، وتميزهن على مستوى الابداع المهني، والالتفاف الفطري فيما يُعنى بالتكوين والحنان الأسري، وكذلك تألق مطابخهن الشهية.
فطرية الذكاء الذي تتمتع به بنات جيزان جعلهن الأكثر بساطة فيما يتعلق بممارساتهن وتناولهن للبديهيات واليوميات الحياتية، لذا فهن يتجاوزنها بيسر وسهولة ودون عناء. فالبنت الجيزانية تمتلك مواصفات نموذجية تمنحها مرتبة متقدمة لو كان هناك تصنيف معمول به لإثبات ذلك الأمر، لكنها على أية حال لا تحتاج إليه كشهادة على تقدمها وامتلاكها للكثير من مؤهلات البنت النموذج. فشواهد نجاحها الأسري وإبداعاتها العملية لا تدع مبرراً لانتظار معايير لتقييمها. أقول ذلك وأسوقه وأكتب عنه ببساطة متناهية من واقع معايشتي اليومية في عمق ووسط المجتمع الجيزاني الهادئ جداً. لكن كل ذلك لم يشفع لبنات جيزان على ما يبدو فيما يخص بعض النواحي المتعلقة بجوانب معينة أمر علمها عند ذوي الشأن والاختصاص، ما يحرمها من استمرارية ومواصلة انطلاقها وتألقها في مختلف الميادين التي أثبتت فيها على الدوام علو كعبها من خلال الجيل العامل حالياً من بنات جنسها. في الأسبوع الماضي وصلتني رسالة من بنت جيزانية (أوردها لكم كما هي) تقول فيها: "الأستاذ صالح ..... وبعد أنا واحدة من كثيرات من بنات جيزان المغلوبات على أمرهن، فقد تحملت عناء وتكلفة ومشقة الطريق لعدة سنوات من أجل الدراسة، حتى أستطيع من خلالها الحصول على وظيفة جيدة براتب جيد يكفيني أنا وأسرتي من مذلة الحاجة والاستدانة، وشاء الله أن أتخرج من الكلية بتقدير امتياز في تخصص اللغة العربية وأن أتقدم بأوراقي للجهات المختصة بالتعيين، وتصور أنني الآن وبعد عشر سنوات لم أحصل على الوظيفة التي حلمت بها كثيراً في منامي. أكتب حروفي هذه بعد معاناتي أنا وكثيرات من صديقاتي اللواتي لقين نفس المصير وكثيرات من بنات جيزان وبتخصصات مختلفة. لقد طرقت أبواباً أكثر من عدد شعرات رأسي لأحصل على عمل يليق بشهادتي لكن الفشل كان دائماً هو الإجابة على كل محاولاتي. وقد تعلمت من المهارات ما توقعت أنه سيكون معيناً لي في سبيل الحصول على وظيفة مثل إجادة العمل على الكمبيوتر والتصميم على الفوتوشوب وإجادة استخدام برنامجي الوورد والبوربوينت، ولكن ضاعت كل محاولاتي هباء منثورا. أخي الكريم تصور أن تتمنى فتاة شراء غرض يخصها ولا تستطيع لضيق الحال. أخي الكريم إنني أتعشم فيك خيراً بعد الله تعالى أنا وكثير من صديقاتي أن تكتب عن معاناتي هذه التي هي معاناة كثيرات من بنات جيزان والوطن وأسرهن في صحيفة الوطن التي لها شهرتها ووزنها عند كل مسؤول ومواطن لعل الله يعجل بالفرج، ولا نُحرم من رغبة والدنا الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله ورعاه. في الحصول على عمل يكفينا شر السؤال. والله يحفظكم". انتهت الرسالة.
في الواقع لم تدهشني سلامة اللغة الطيبة، ولا الكم الهائل من المهارات التي تمتلكها كاتبة الرسالة، ولا رائحة الأنفة والاعتزاز بالنفس التي اكتنفت أسلوب الأخت المرسلة، بقدر دهشتي من عدم حصولها على وظيفة على مدار السنوات العشر الماضية! على الرغم من تقدير الامتياز الذي تخرجت به، وكم المهارات التي تمتلكها.
في جيزان، وفي كل أرجاء الوطن، هناك المئات بل وربما الآلاف من مثل هذه الحالة التي تتمتع بصفات مميزة وتحمل مؤهلاتٍ جيدة تجعلها متقدمة ومرشحة على غيرها في سلم الأفضلية والمفاضلة. وفي جيزان يختلف واقع حال الأسرة المادي عن مثيلاتها في معظم مناطق المملكة، وهو أمر لا يخفى على الكثيرين، لذلك تجد أن التحاق البنت الجيزانية بالعمل يصنع تغييراً وفارقاً عظيماً على صعيد الأسرة الاقتصادي بأكملها.
أتساءل كغيري عن جدوى معايير التصنيف والمفاضلة المعمول بها حالياً في نظام التوظيف بالخدمة المدنية، وعن مدى الوثوق بآليتها كنظام فعال لا يمكن اختراقه. وأتساءل كيف لها أن تتجاوز حالة خريجات ذوات مؤهلات عالية؟ فأين يكمن الخلل ياتُرى؟ ومن المسؤول عن عدم المقدرة على استيعاب واحتضان مثل حالة هذه الأخت الكريمة؟ أطرح كما يطرح غيري الكثير من التساؤلات على الطاولة، وأعقد كما تعقد بنات جيزان الكثير من الآمال والتطلعات على إمكانية إصلاح الوضع المحزن لهن. ليواصلن الانطلاقة نحو غدٍ مشرق.