"يا بويا نبغى بطولة.. حرام يا ناس.. أربعين سنة نستنى بطولة.. ليه أهل مكة ما هم بشر.. أهل مكة ما هم ناس؟".. كانت تلك كلمات حارقة أطلقها مشجع وحداوي التقته قناة "العربية" قبل يومين.
كانت ذراعا ذلك المكاوي تتلويان فوق رأسه تارة، وجانبه أخرى، كان يتقدم خطوة ويتراجع مثلها، وكفاه تلتصقان بياقة ثوبه ثم تطلقانها كمن يريد انتزاع ذاك الثوب ضجراً وكمداً.. كانت تلك لغة أخرى لا يستخدم فيها اللسان وحده بل الجسد بأكمله.
في ثنايا كلمات وحركات ذلك المكاوي شوق دفين، تعطش يمتد أكثر من أربعة عقود لمعانقة الذهب، ظمأ لا يرويه مجرد بلوغ المنصات ثم الانكسار عند ربوعها.
مثل هذا المشهد، ولو كنت مديراً لكرة الوحدة، لسجلته، وجعلته يتكرر على مدار اللحظة في معسكر اللاعبين، لا لأضغط عليهم، ولكن لأقول لهم إن خلفكم أناساً مثل هذا المكاوي يتحرقون شوقاً لما يمكن أن تصنعه أقدامكم، ولجعلتهم يستميتون لأجل بلوغ القمة، ومن ثم القتال بكل الطاقة لإحراز لقب كرمى لهذا الرجل وأمثاله.
في المنطق تميل الكفة اليوم لصالح الأهلي، فهو الأكثر جاهزية وخبرة، وهو الأكمل صفوفاً، والأرجح عدة، لكن الكرة لا تضبط دوماً بمقاييس المنطق، ولا تخضع على الدوام لحسابات العقل.
في الأهلي أيضاً تعطش كبير لبطولة.. وفيه رغبة جارفة لملامسة المنصات بعد سنوات عجاف.. وفيه سعي حثيث لإرضاء جمهور تفنن في حب فريقه فابتدع حباً مغايراً، واستن أهازيج ليست مثل كل الأهازيج.
ولكن حتى مع رغبة الأهلي، فإن هذه الحرقة المكاوية يمكنها أن تكون محرضاً من نوع خاص، ربما لن يكفي لانتزاع بطاقة عبور إلى النهائي، لكنه يكفي حتماً لحضور يستحق التقدير، ويضع الوحدة حيث يجب من الثناء والاحترام، ففريق يقدم مباريات على هذا النحو من الجودة، بلاعبين شبان، ودون أجانب، وبمدرب إنقاذ استعين به في فترة أخيرة، يستحق أن ترفع له القبعات، وأن تصفق له الأكف.
أهل مكة أجمل بشر وأحلى ناس، وأهل مكة يستحقون الخير كله، لكن على وحدتهم أن يرتقي أكثر، وأن يجعل إرضاءهم أولوية قصوى، وقد بدا أخيراً أنه في الطريق الصحيح، لكنه يحتاج ثقة أكبر، وإيماناً أشد بقدرته، وحينها سيكون حيث يجب إلى جانب كبار الكرة السعوديين المتنازعين على الألقاب، والمتنافسين على مجد البطولات.