الانطباع العام لدينا نحن أبناء هذا الوطن، أن المشروعات التنموية والوطنية الحديثة، لا يجب أن تسند للقيادات البيروقراطية المخضرمة، لأن ذلك سيهدد نجاحها، وسيجعلها تدار بذات الذهنية الإدارية العتيقة التي جعلت كل دوائرنا ووزاراتنا بحاجة لعمليات إصلاح مستمر. لكن هذه القاعدة، يبدو أنها تتكسر أمام مكتب وزير التعليم العالي، الدكتور خالد العنقري الذي أدار برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي وفق وعي جديد واستيعاب لما يجب أن يكون عليه هذا المشروع، واستيعاب كذلك للأهداف التي وضع من أجلها، والذين يملكون الإجابة والتصديق على هذا الرأي هم عشرات الآلاف من أبناء وبنات الوطن الذين يدرسون الآن ضمن البرنامج وفي مختلف دول العالم. والذين حولوا خريطة العالم إلى خريطة خضراء.
يوم السبت الماضي وفي ولاية ميرلاند الأمريكية كانت الأعلام السعودية الخضراء تنافس اخضرار تلك المنطقة وغاباتها الواسعة، حين تجمع ما يزيد على ألفي خريج وخريجة من مختلف الولايات الأمريكية ومن مختلف الجامعات والتخصصات العلمية، يمثلون الدفعة الرابعة من خريجي برنامج الابتعاث في الولايات المتحدة، يزفون أنفسهم وطموحهم للمستقبل، مثلما يزفهم الوطن لمستقبله وتنميته وازدهاره، خاصة أن المستقبل السعودي لم يعد بحاجة فقط إلى مجموعة من الأذكياء والحاصلين على درجات دراسية عالية، بقدر ما هو بحاجة إلى عقول منفتحة على العالم وقادرة على استيعابه والتفاعل معه، وذلك هو التأهيل الحقيقي لبناء الكوادر المستقبلية، تلك الكوادر التي أسهمت في بناء مؤسسات سعودية رائدة وأكثر الوزارات السعودية حاليا يشغل مناصبها القيادية مسؤولون قضوا سنوات من عمرهم للدراسة خارج المملكة ولم يعودوا بشهاداتهم فقط وإنما برؤى جديدة ووعي جديد هو الذي مكنهم من استيعاب أدوارهم المستقبلية والنهضوية، وجعل الاعتماد عليهم في بناء تلك الوزارات استثمارا حقيقيا لهم، وهو ذات الاستثمار الذي من الواجب أن يحظى به المبتعثون الحاليون حين يعودون إلى أرض الوطن في حفل التخرج وفعالياته المصاحبة، يمكنك بوضوح استيعاب المزاج المنفتح والمتطلع لدى الطلاب والطالبات، فهم يعيشون حالة من الانتماء الوطني يرتبط بفهمهم لما هم فيه الآن ولما يجب أن يكونوا عليه مستقبلا، فالابتعاث يمثل دافعا وطنيا مهما للغاية في تعميق قيمة الانتماء والشراكة، فكل المستفيدين من البرنامج يدركون دورهم المستقبلي وأنه ليس دورا فرديا وشخصيا بل هو دور وطني، وليست القضية فقط في أن يجدوا أنفسهم في وظائف مرموقة، بل القضية فعلا في أنهم جيل سوف يؤسس لانفتاح سعودي متوازن ومنطلق من قيمه وثقافته.
وسط هذا الحشد من الطلاب والطالبات يقدم وزير التعليم العالي لوحة واعية ومؤثرة للغاية، فالرجل الذي يتجاوز الستين من العمر، ويحتفظ بنشاط وحيوية واسعة، يبدو عليه التركيز الشديد كلما استمع إلى أحد يتحدث إليه، إلا أن كل الحاضرين حوله لا يحظون لديه بالأولوية التي يمنحها للطلاب والطالبات حين يستوقفه أحدهم للحديث إليه، تحدث الوزير في كلمته التي ألقاها في حفل التخرج بلغة حملت من الأرقام والرؤى أكثر مما حملت من الثناء على وزارته كما يفعل كثير من المسؤولين، أوضح العنقري بأن الابتعاث جزء من استراتيجية شاملة، وهي حقيقة يؤكدها واقع التوجهات السعودية التي يقودها خادم الحرمين على أكثر من صعيد تعليمي ومعرفي واقتصادي وحضاري، وبما أن المملكة تعد أول دول العالم من حيث عدد المبتعثين، - كما أشار الوزير في كلمته – فهي تستثمر في أبرز وأهم ثرواتها، والسنوات الماضية أثبتت أن المال والقدرة الاقتصادية لا يمكن وحدهما أن يصنعا مستقبلا دون أن يكون لدينا كوادرنا الوطنية المؤهلة والقادرة على استيعاب العالم والتفاعل معه.
أمضى الوزير جزءا كبيرا من ذلك اليوم برفقة الطلاب، وبعد انتهاء مراسم حفل التخرج انطلق حفل آخر كان محوره الوزير وجمهوره الطلاب والطالبات، مواقف فسرت للحاضرين لماذا يصر طالب مثلا على أن يحتضن الوزير أمام الجميع ويقبل رأسه، تقول لي إحدى الطالبات: كلما شاهدنا وزير التعليم العالي ورأينا تعامله مع قضايانا أدركنا إلى أي درجة نحظى بالاهتمام والمتابعة، ثم تسرد قصة عن أخيها المبتعث الذي كانت لديه أزمة وجه الوزير بحلها فورا في ذات المناسبة في العام الماضي. كل طالب كان لديه ما يريد أن يقوله للوزير استطاع أن يقوم بذلك، وبدا على الوزير التركيز الواضح وهو يستمع لكل قصة عرضت عليه، فيما يبدو أن الوزير يستوعب للغاية ما معنى البحث عن حل وجواب، وليس البحث عن مجرد تطبيق نظام، إن استمرار نجاح برنامج الابتعاث ليس مسؤولية خادم الحرمين الشريفين وحده، إنما مسؤولية الرجال الذي عليهم أن يستوعبوا أن إدارة برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي ليست مجرد استمارات وشروط ومكافآت، إنها إدارة طموح وطني وصناعة للحيز الأكبر من مقومات المستقبل، ويبدو أن وزارة التعليم العالي تستوعب ذلك جيدا.