دفعتني حملة وزارة العمل الدعائية لنطاقات توطين الوظائف إلى تصفح موقع الوزارة. النطاقات كانت نجم الموقع، هناك تجد ملف صوتي يربط الواقع بما تريد الوزارة أن تحققه. يحدد البرنامج المطلوب من الشركات ومؤسسات القطاع الخاص لتحقيق متطلبات كل نطاق، وربطها بمجموعة من المكافآت والعقوبات، اعتمادا على نسب مرجعية حققتها شركات ومؤسسات في نفس القطاع. سأناقش هنا نوعية الوظائف والمكافآت التي اعتمدتها الوزارة ومرجعية نسب التوطين التي تبناها البرنامج.

وضع العمل في المملكة وضع معقد، ويحتاج لحلول مرحلية وحلول استراتيجية. أعطى خادم الحرمين الشريفين الضوء الأخضر للوزارة لفرض عملية التوطين بجملته الشهيرة "طبقوا النظام عليَّ وعلى أبنائي".

المملكة تعاني من وجود ما يزيد على ثمانية ملايين أجنبي يعملون في وظائف تتدرج من الوظائف الجهدية إلى الوظائف التنفيذية العليا في القطاع الخاص. كما تتجاوز نسبة البطالة بين المواطنين 14% ـ حسب إحصائية مؤسسة التمويل الدولية التابعة لصندوق النقد الدولي. نسبة 47% من العاملين في المملكة مواطنون ـ حسب إحصائيات وزارة التخطيط. فإذا حذفنا العاملين في القطاع الحكومي من السعوديين ستصل نسبة السعوديين في سوق العمل في القطاع الخاص وشبه الحكومي أقل من 30%. ولو حذفنا الشركات الحكومية كأرامكو وسابك والاتصالات والكهرباء والبنوك، فقد تصل النسبة إلى 20% أو أقل من السعوديين في القطاع الخاص فقط. إذا أضفنا هذه المعلومات إلى الطفرة السكانية التي تعيشها الدولة ـ التي يقع ما يقارب 70% من سكانها تحت سن الثانية والعشرين، تبرز أهمية العناية بنوعية الوظائف المراد توطينها.

ليس مهما أن يكون بائع الخضار أو بائع الذهب أو موظف الحراسات مواطنا. الأهم أن يكون الرئيس التنفيذي والمدير العام ورؤساء الأقسام والفروع سعوديين، أو على الأقل نسبة كبيرة منهم كذلك. يهمني أن يكون الطبيب الذي يعالج المواطن مواطنا، وأن يكون المهندس الذي يشرف على الأعمال مواطنا، أن يكون المحاسب والمحامي ومسؤول التسويق والمدرب مواطنين.

يجب أن لا نكرر أخطاء وقعت فيها دول وطنت الوظائف الجهدية أو الخدمية، بحيث أصبح المواطن أقل شأنا من الأجنبي. الوقوع في هذه الإشكالية ستكون له آثار خطيرة على الوطن وعلى المواطنين. لا يمكن أن نتوقع الكثير من مواطن يعيش في طبقة اقتصادية تقل عن المستوى الذي يستحقه بموجب تأهيله ومهاراته وخبرته. انخفاض المردود الاقتصادي للوظيفة يمكن أن ينتج حالة من عدم التوازن الاجتماعي والنفسي. يؤدي توظيف المواطنين في وظائف لا تحقق الحد الأدنى من الرضا الوظيفي، إلى التسرب الوظيفي، ومنه إلى رفض توظيف المواطن في وظائف أو جهات أخرى بحجة عدم الاستقرار. هذا بالتالي يوجه نشاط الفرد إلى مجالات تضره وتضر مجتمعه.

إن قصر توظيف السعوديين في وظائف المراسلة والتعقيب والحراسات وما شابهها يدعم التوظيف الوهمي. تقوم الشركات بهذه السلوكيات اليوم تحت نظر، وبمباركة من الجهات المختصة كونها ملزمة نظاما. على هذا سيستمر توظيف الطلبة وأبناء الأقارب والأصدقاء وهم لا يزالون على مقاعد الدراسة أو يمارسون أعمالاً خاصة أخرى.

يجب أن تبني الوزارة خططها المستقبلية على المنجزات المحققة سابقا. توطين وظائف معينة بالكامل نظاما، يعني أنه لا داعي لتوطينها مرة أخرى. يجب أن تستثنى الوظائف المسعودة قانونا، فلماذا أحتسب وظيفة سعودتها إلزامية بموجب النظام. هذه النطاقات هدفها تشجيع توطين وظائف جديدة، ولهذا يجب أن تكافئ توطين وظائف لم يكن توطينها ملزما كالوظائف التخصصية والهندسية والصحية والتقنية والقيادية والتنفيذية.

يفيد في هذا المجال إعطاء قيمة رقمية للوظيفة فتوطين وظيفة تقنية في تخصص دقيق أو نادر أهم من توطين وظيفة أقل ندرة. سيكون لهذا أثر كبير في توظيف ذوي الشهادات العليا في تخصصات لا يشغلها السعودي حاليا، ويشجع على التخصص في مجالات لا يقبل عليها طلبة الجامعات، أو تتطلب مجهودا أكبر أثناء الدراسة الجامعية.

تحصر الوزارة المكافآت التي تقدم للجهات المصنفة في النطاقين الذهبي والأخضر في الحصول على التأشيرات ونقل الكفالة، وهو ما يفترض أن تحاربه أصلاً. منظمو الحملة لم يستفيدوا من مزايا يمكن تنسيقها مع الجهات الحكومية الأخرى. يرى عالم النفس الشهير "ماسلو" أن تحقيق الذات هو ما تحتاجه الطبقة الاقتصادية العليا. يمكن أن تضاف مكافآت معنوية كالأوسمة والدعوات لحضور المناسبات الرسمية وحصر رعاية مناسبات وطنية، وما في حكمها على الفئة الذهبية والخضراء. إضافة إلى إمكانية إعطاء مزايا تفضيلية في المنافسات والمشتريات الحكومية. يمكن كذلك إعطاء الجهات الملتزمة أفضلية في الحصول على قروض صناديق الدولة الاستثمارية، وغير ذلك من المزايا.

الجامعات في المملكة وفي الخارج سوف تضخ إلى سوق العمل ما يزيد على 300 ألف خريج وخريجة خلال السنوات الخمس القادمة. هؤلاء يتخصصون في عدد كبير من التخصصات يغلب عليها الهندسة والحاسب الآلي والطب والعلوم الطبية والإدارة، وهم جميعا يتوقعون أن يجدوا سوقا مفتوحة لاستقبالهم.

تحتاج الوزارة إلى إحصائيات دقيقة للتخصصات التي سيتخرج فيها أبناؤنا وبناتنا، لنقارنها بعدد الوظائف الموجودة في سوق العمل والتي يشغلها غير السعوديين. وفي مرحلة أكثر تقدما، نضع خططا منطقية للإحلال في هذه التخصصات. هذا يجعل المرجعية في تحديد الوظائف المطلوب توطينها أكثر ارتباطا بحاجة المملكة، وأعداد المواطنين الذين ينتظرون التوظيف.