"تصريحاته لم تكن موجهة ضد المسلمين، ولكن فقط ضد الإسلام"!. بهذه العبارة برأ القضاء الهولندي أمس عضو البرلمان جريت فيلدرز من تهمة الكراهية أو التمييز بتصريحاته المهينة للإسلام، وكأن المسلمين شيء والإسلام شيء آخر لا يعنيهم ولا يمت لهم بصلة، أو كأن الدعوى التي رفعت من المسلمين هي دعوى بالقول القضائي: "من غير ذي صفة"!.
خطورة مثل هذه التحليلات القضائية الفجة، ولا أقول (الأحكام) حرصاً على عظمة هذه الكلمة، أنها تجعل الأديان في مرتبة دنيا، بحيث يحق لأي أحد في الغرب أو هولندا - على الأقل – أن يهاجم أي دين، مادام هذا الهجوم لا يصيب أتباع هذا الدين، ولا أدري كيف يمكن أن تتحقق هذه المعادلة في الذهنية الغربية، إلاّ في إطار سلب حق أتباع الأديان والتغاضي عن واجبهم في الدفاع عن معتقداتهم، وهذه بالتأكيد ليست عدالة، ولا حتى مجرد منطق تتفق معه أو تختلف!.
هي فوضى – إذن – يخلقها القضاء، الذي تغيب عنه العدالة، أو - على الأحرى - يغيبها، مما ينذر بأننا سنشهد عصراً من التطرف الفكري والتطاول على معتقدات البشر، ولم يعد الغربي المتطرف بحاجة إلى عبارة "حرية الرأي والتعبير" لتبرير تطرفه، وإنما يكفيه أن يسب الدين دون أتباعه ليحصل على البراءة!.
والحقيقة أن حكماً كهذا، لم يكن مستغرباً، ولا أعتقد أنه يمثل مفاجأة لأي مسلم على وجه الأرض؛ إذ سوابق الغرب كثيرة في مثل هذه القضايا، ومن ثم لا ينبغي أن تتجاوز ردود الفعل الإسلامية حدود القول والتعليق وإبداء الرأي، لتظل صورة الإسلام مشرقة في قلوبنا، متجلية في أفعالنا وسلوكياتنا، ريثما يأتي زمن ينير الله فيه قلوب الذين انطفأت شعل الإيمان والحق والأدب في نفوسهم، فصاروا عبيداً للظلام والصلافة والجهل، أو يأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر بطغيانهم وافترائهم واغترارهم بالقوة الدنيوية التي لا تستطيع الوقوف في وجه صيحة إلهية واحدة، أو هبوب ريح لا تستطيع الجبال إخمادها!.
حضارتنا الإسلامية وتعاليم ديننا السامية تمنعنا من الانجراف خلف مثل هذه التيارات الفكرية المتطرفة والحاقدة، وقد علمنا ديننا العظيم - الذي رأى القاضي الهولندي أن الإساءة له لا تستوجب سوى البراءة - كيف نقابل الإساءة بالإحسان: "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم"!.
ولا أعتقد أن في ذلك ضعفاً، أو تخاذلاً، وإنما هو العقل حينما يتحتم عليه مجابهة الجنون!.