بعد مقال الأسبوع الفائت (صيغة تعايش بين السنة والشيعة)؛ حصل بعض النقاشات ما بين مؤيد ومعترض على بعض ما في المقال من نقاط، والبعض -ربما- لم يرق لهم المقال كليا. ولأهمية الموضوع؛ ربما يكون من المناسب أن نناقش بعض تلك الاعتراضات أو الملاحظات بشكل سريع.

من أهم تلك الاعتراضات؛ أن قالوا لماذا إثارة هذا الموضوع، إذ يرون أن الأمور طبيعية ولا توجد مشاكل، ويرون أنه بإثارة الموضوع ربما تتحرك تلك الخلافات الحساسة. وأنا أقدر آراء جميع القراء وأحترمها، ولكن أختلف مع أصحاب هذا الطرح، ولا أرى أن ندفن رؤوسنا في الرمال ونقول إنه لا توجد مشكلة. نعم هناك مشكلة تحت السطح، ولو -لا سمح الله- ضعف الأمن وضعفت قبضة الدولة القوية على كل من يخرج عن الصواب لرأينا ما لا يرضاه أحد. وطالما أن الأمر يستوجب تدخل الدولة فهو دليل على أهمية تدعيم التوافق والتصالح الداخلي والحقيقي بين أطياف المجتمع، مما يستوجب إثارة حراك ثقافي بين أطياف المجتمع لأجل بناء قاعدة صلبة من التوافق والتعاون والثقة المتبادلة. ثم لننظر إلى ما حصل في العراق من مذابح كانت من إفرازات الاحتقان الطائفي! وكان السبب فيها المتطرفين من الطرفين، ولم يستطع العقلاء إخمادها، والسبب بنظري هو فوات الأوان، واندفاع كل من في نفسه هوى إلى تحقيق مآربه واستغلال الفرصة، مما يعقّد الحل والتوافق!

آخرون اعترضوا لماذا أدرجت الحديث عن إيران في ثنايا حديثك عن صيغة للتعايش؟ ورأيي باختصار أن إيران هي أحد أهم الأطراف التي تعمل على مزيد من النفخ في الاحتقان الطائفي، وللأسف هي تستغل هذا الأمر أبشع استغلال في المحاولة لتوسيع نفوذها! ولا يمكن أن يتم التعايش الحقيقي بين أطياف المجتمع في الدول العربية إلا باستقلال كل الطرفين عن العوامل الخارجية ومنها إيران، حيث النَّفَس والطموح الفارسي واضح في كل أطروحات الشخصيات البارزة في الحكم في إيران. وقد أشرت إلى ولاية الفقيه في ثنايا المقال لأجل إبراز مثال على الاستغلال الإيراني للدين لأجل السياسة، وكيف أن المرشد الأعلى الذي هو في الحقيقة الرئيس الأعلى لإيران يأمر وينهى باسم الله تعالى، ويُراد لكل الشيعة داخل وخارج إيران أن يكونوا تحت وصايته وسلطته السياسية والدينية! ثم أشرت إلى أنه حتى بعض قادة الثورة الذين شاركوا في تأسيسها مع الخميني أصبحوا الآن من الخونة والمتآمرين! وذلك ليس إلا أنهم خالفوا أو اعترضوا على المعصوم سياسيا ودينيا!

أما مسألة الإشارة لإيران وعدم التطرق للمجيّشين السنة ضد الشيعة، فسبب ذكر إيران أنها نظام واضح وبشكل رسمي، أما أولئك المتشددون فهم -وإن كانوا لا يمثلون إلا أنفسهم- فقد تم التعرض لهم بمجمل الكلام، كما أنه لم يُتطرَّق إلى متشددي الشيعة -غير حكومة إيران- أيضا. حيث لم يكن القصد الدخول في التفاصيل، ولم أرد الإثارة أكثر مما يستوجبه المقال.

مسألة أخرى مهمة؛ وهي أن التعايش لا يعني التعرض لمعتقدات الآخرين، فالتعامل بكل صدق مع الآخرين بشتى صوره التجارية والاجتماعية وغير ذلك، والتعاون معهم؛ يجب أن يكون في أحسن صوره بين أبناء البلد الواحد، حيث المصير الواحد، وإلا فإن النتيجة هي استمرار التوتر والاحتقان -وربما أكثر من ذلك-، ولن يستفيد منه أحد في النهاية. أما ما يتعلق بالمعتقدات ومدى صحتها من عدمه، فلم يتم التطرق لها في المقال، ولكن أرى أن الحوار الهادئ والبنَّاء مفيد للغاية في ذلك، ويجب ألا يندرج في موجبات التعايش التي يجب تجنبها؛ حيث إن الحوار والنقاش على النقاط الخلافية والاتفاقية بين الفريقين -بشرط عدم التعرض بالسب أو الشتم- كثيرا ما يقرِّب وجهات النظر، خاصة إذا تم بطريقة هادئة وباحترام كل طرف للآخر.

كما أن من موجبات التعايش بين الأطياف المختلفة؛ عدم التعرض للرموز والأشخاص بالإهانة أو السب والشتم أو أي شكل من أشكال الإهانة. ويجب أن يبادر الطرفان في وقف ومحاربة أي تصرف من هذا القبيل، وإلا فإن هذا الأمر من أشد الأمور الحساسة التي قد تقضي على أي مكاسب سابقة.

كل هذا وذلك يجب أن يُبذل في سبيل بناء الثقة المتبادلة بين الطرفين، وفي سبيل الوصول إلى صيغة يمكن من خلالها بناء علاقات وتعاون عميق بين الطرفين، لأجل بناء مستقبل مشرق لنا وللبلد وللأجيال القادمة بإذن الله تعالى.