هكذا كنت أقول للزميل والصديق العزيز "علي العلي" ونحن نغادر جازان بعد يومين عامرين بالبهجة والفن والمعرفة والثقافة والنور والحكمة والتنوع والجمال، وهي قيم لا تجتمع إلا في الجنوب القصي حيث تقبع جازان العظيمة. كان الوقت عصرا لكن الشمس، في ذلك اليوم، ذهبت للنوم مبكرا على سرير الغمام الوثير، وكنا، الصديق العلي والشاب عمر باسودان من العلاقات العامة في كلية الهندسة في جامعة جازان وأنا، كنا في طريقنا إلى مطار الملك عبدالله وكان المطر يهطل بغزارة كأجمل شيء تودعنا به هذه المنطقة بعد أن استقبلتنا جامعة جازان قبل ذلك بيومين، من خلال عمر وأقرانه الشباب الذين يمثلون واجهة مضيئة لهذه الجامعة الفتية التي اختصرت الزمن، برجاحة وحيوية واستنارة قيادتها وعزم شبابها لتقدم نفسها بقوة ورصانة وتحتل، في 6 سنوات فقط هي عمر الجامعة، موقعا متقدما مع كبريات الجامعات السعودية ذات العمر الطويل! استقبلونا بعقود الفل قبل انتصاف النهار وودعونا بنفحات الكريم وغيثه الذي كان يهمي علينا كثيرا وأنيقا ورقيقا مطر مثل الفل لا يجرح ولا يؤذي بل يفتق الخيال ويفتح في الروح والقلب والعقل آفاقا شفافة وناصعة بالتأمل والتذهاب بعيدا إلى حد الذوبان في المطلق اللا نهائي! ليست جازان هي من يعبق بالفل، ولكن الفل هو من يعبق بجسدها الفاتن في غناه وتنوعه وتعدده المذهل.. تغيرت جازان وصارت أجمل وأرحب بكثير عما كانت عليه قبل عشر سنوات، ويمكن إدراك هذا ليس في مشاهد التنمية القائمة حاليا هناك ولا في عشرات المشاريع الجبارة التي تسابق الزمن لتكتمل وتعلن عن دخول هذه المنطقة إلى حقبة جديدة من التحديث والتطور والاستدامة! بل إن أجمل ما في هذا التغيير أنه طال المضامين أيضا لا الشكليات والمظاهر فقط أي في المعاني والمباني، وقد تجلى لي ذلك عند حضورنا حفل تخريج الدفعة السادسة للجامعة ففضلا عن تميز الاحتفال وعقلانية كلمة معالي الدكتور محمد آل هيازع وهو يقدم عملهم وطموحاتهم بهدوء دون افتعال أو دعاية أو إنشاء بل بأرقام ومنجزات حية تحققت في فترة وجيزة وأضعاف أضعاف ذلك يعملون عليه وهو في طور النضوج، أقول فضلا عن كل ذلك لم أشاهد من قبل الأمير محمد بن ناصر بن عبدالعزيز بتلك السعادة والانشراح والابتسامة الراضية المطمئنة، كان يرى ويتابع ويسمع وينصت للفقرات ولشباب جامعي يتقد حماسا وإخلاصا وانتماء للمنطقة والوطن، كأنما حالة الانبساط التي اعترته طيلة ذلك الاحتفال البديع كانت كناية عن فرحته بأن جهوده طيلة عقد كامل لم تذهب هباء ولا سدى وأن تعبه وبذله لتطوير المنطقة وإنسانها بدأ يؤتي ثماره ولن يكون هناك شاهد قوي على ذلك أكثر من هذا الحراك التعليمي والمعرفي والثقافي والتنويري والإبداعي الذي تقدمه جامعة جازان بصورة فريدة منسجمة ومتناغمة!

من حق الأمير أن يسعد بمنطقته اليوم ويباهي بها ومن حقه علينا أن نشيد بجهوده في التحديث والتطوير والتنمية وفي النقلة الحضارية التي تحياها جازان!

وأعود إلى يوم وصولنا أرض المطار برفقة أستاذي الكبير الدكتور هاشم عبده هاشم والزميل الدكتور حمود أبو طالب الذي ما إن رأى الدكتور عبدالله مناع حتى تهلل بالبشر والسرور فقد كان المناع ضيف جازان الجديد الذي لم يزر المنطقة منذ ثلاثين عاما أو تزيد كما قال، وقد كانت حالة (الانبهار) بحضور المناع سائدة على ملامح وتصرفات د.حمود وبعض الزملاء من المضيفين، لكن الغريب أن المناع تبدلت نظرته لجازان من خلال حديثه عن الفرق بين الزيارتين التي يفصل بينهما ما يقرب ثلث قرن، لكن (غيرته) القديمة من د.هاشم عبده هاشم لم تتغير، فهو، أي المناع، لم يكتف بتعليقاته المستفزة حين التقيا هناك! بل ظل هاشم هاجسه حتى بعد مغادرته وبعد أيام من تلك الزيارة وبعد كتابته في صحيفة الجزيرة عن تلك اليومين اللذين قضاهما هناك مدعوا من درة الجامعات، التقى بأحد الزملاء هنا وهو من جازان وقال له هل تصدق أنني وجدت عندكم شبابا لديهم انتماء عميق للمنطقة أكثر من انتماء هاشم عبده هاشم لها.. ما هذا يا دكتور عبدالله؟ هل هي غيرة الصحافيين أو المشتغلين بالكتابة وقد تكون لها أسبابها المناطقية إلا أن التاريخ سيذكر هاشم عبده هاشم من بين أو أحد أهم أربعة أو خمسة رؤساء تحرير مروا على الصحافة السعودية مع تركي السديري وعبدالرحمن الراشد وعثمان العمير وقينان الغامدي والترتيب هنا أبجدي!

في بهو الفندق كان هناك حديث للمناع مع أعضاء نادي القراءة في جامعة جازان وهم طلاب أغلبهم من كلية الهندسة يشرف عليهم شاب نحيل الجسم ممتلىء الذهن الأستاذ حمزة كاملي مدير مكتب وكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي وبين أولئك الطلاب شعراء وقاصون وأدباء وقارئون نهمون يقرؤون في كل الثقافات أعني أنهم كانوا أكثر غنى من بعض الأسماء الكبيرة فهؤلاء الشباب أظهروا التقاطات مهمة تشي بحبهم الانفتاح والاطلاع على كل الثقافات دون أن يحصروا أنفسهم في ثقافة معينة لهذا البلد أو ذاك أو في مرحلة تاريخية بعينها قد تجاوزها الزمن كما تفعل بعض الأسماء الكبيرة!! لكنه مهما كان وهج تلك المرحلة إلا أنه يظل وهجا خادعا إذ يخفي عتمة قبيحة!! وأجمل بل أصدق ما قاله المناع في تلك الجلسة أن لدينا أسماء كبيرة وليس لدينا إنجازات كبيرة وهذا صحيح وهو خير شاهد عليه. لكن الصديق الكاتب الشاب وليد كاملي كان له رأي جدير بالطرح والتدبر حين قال إن بعض كتابنا وأدبائنا لا يتوافرون على منجز أو مشروع إبداعي خاص ومتجاوز لذا ليس لهم نجاح لافت يمكنهم الاعتداد به.