من كان يتوقع أن يشاهد محاكمةً علنية في حق لص يسرق هاتفاً محمولا في أحد الأماكن، وبحضور رجال الصحافة والإعلام وممثلين من لجان وجمعيات حقوق الإنسان، وفي مشهد يكتظ بالشعائر العدلية والقضائية الرامية لتحقيق العدالة وتحقيق الأمن، وتوفير نماذج فعلية للعدالة؟ في الواقع لم يكن ذلك طموحاً وطنياً عارماً؛ بل ظل في دائرة الوعود والانتظار، وتحولت قاعات المحاكم في فترات ما إلى شيء أشبه بغرف التحقيق، إنما يبدو أن السعوديين على المستوى العدلي والقضائي يترقبون بداية جديدة لقضاء مدني واع ومستقر ومستوعب ما يجب أن يكون عليه القضاء من إقامة للعدل وحفظ للحقوق. لعلنا نحن أبناء الوطن ـ هذا الوطن ـ أكثر المجتمعات حنقاً وغضباً على الإرهاب والتطرف، والخلايا الإرهابية والمتطرفة بمختلف تشكلاتهم الميدانية والنظرية، إلا أن ذلك الغيظ لا يجب أن ينسينا أهمية أن تكون المحاكمة علنية وعامة وملتزمة بمختلف شروط المحاكمات وتفاصيلها، وهو ما تابعناه بشكل واضح ومؤثر في فعاليات المحكمة الجزائية المتخصصة بجدة في جلسات محاكمة أعضاء ما يعرف بخلية الدندني، الخلية التي تمثل واحدة من أهم الدوائر وأكثرها خطورة في تنظيم القاعدة من خلال فرعه القائم في السعودية، والذي بدأت عملياته الفعلية في عام 2004 بتفجير مجمع غرناطة في الرياض، وما نتج عنه من تتابع لسلسلة هجمات إرهابية، حاولت أن تضرب مختلف مفاصل الهيكل الاقتصادي والأمني والوطني السعودي. بعد كل تلك السنوات ها هم الآن أمام القضاء، وأمام قضاء يلتزم بمحاور العمل العدلي.

القضاء الذي يسجل الآن واحدة من أبرز فتراته ومراحله التاريحية؛ حين يضمن محاكمة عادلة تسمح للمدعي العام بالمطالبة بإيقاع أقصى العقوبات على المتهمين، وفي ذات الوقت تسمح للمتهمين بالدفاع عن أنفسهم، واتخاذ مختلف السبل والوسائل القانونية لذلك. كنا نتعرض باستمرار لسؤال من مختلف وسائل الإعلام والوكالات العالمية عن موعد محاكمة الإرهابيين الذين يتم ضبطهم من المنتمين لخلايا إرهابية.. ومثلما كان السؤال بحاجة لمزيد من التدقيق إلا أنه وفي الوقت ذاته بحاجة لمزيد من التروي على مستويين، المستوى الأول: إيجابي ومنطقي، وهو أن كل إرهابي يتم القبض عليه هو في الواقع مصدر مهم للمعلومات والحقائق، ولا مشكلة من أن يستمر التحقيق معه لأشهر بل لسنوات، أما الجانب الآخر فكان متعلقا بالحرج الحقيقي لنا كسعوديين؛ وهو عن جاهزية النظام العدلي السعودي للتعامل مع قضايا شائكة يتداخل فيها الفقهي بالحقوقي، ويتداخل فيها الشرعي بالوطني، وفي قضايا يصبح فيها ـ مثلاً ـ التوجه للمناطق التي تشهد فتنا وحروبا أو اللقاء بأسامة بن لادن جريمة يمكن أن يعاقب عليها القانون..

الآن باتت لدينا إجابة واضحة، وهي أن النظام العدلي والقضائي بات يعيش واحدة من أكثر مراحله ازدهاراً وانطلاقاً، وفي ذات الوقت انعتاقاً من سيطرة الرؤية الفقهية الضيقة إلى حضور الرؤية العدلية والقانونية الواعية، وهو جزء من التحولات الكبرى التي يعيشها القضاء والعدل في المملكة، فوزارة العدل السعودية باتت الآن تقود مشروعا وطنياً ضخماً باتجاه إنقاذ المنظومة العدلية، وتحريرها من كل ما علق بها من أخطاء وعوائق، وفي ذات الوقت يتجه المجلس الأعلى للقضاء لإكمال الطرف الأبرز من المعادلة الذي لا يحتمل سوى كوادر قضائية مدنية ووطنية تستوعب أهمية التحول من قضاء الفقه إلى قضاء القانون، والذي يجعل من الفقه واحدا من أهم دعائمه، وبالتالي فلم يكن لدينا من السعة أن نسأل وزارة الداخلية، خاصة أن ثمة أنباء تحدثت عن أن الوزارة اتجهت مبكراً لإقامة مسارات قضائية للتعامل مع قضايا الإرهاب، إلا أن كثيرا من العوائق كانت تأتي من خارج الوزارة. ومن الواضح الآن أن وزارة الداخلية التي انتصرت لأبناء هذا الوطن ومستقبله ميدانياً؛ لا يمكن أن تخذلهم نظرياً، ومن الواضح كذلك أن المنظومة العدلية والقضائية التي طالما انتظرها السعوديون ها هي الآن تدخل بهم مرحلة واعية من العمل الوطني والمستقبلي الذي لا يمكن العودة عنه. لقد تمت محاكمة خالد شيخ محمد ـ مثلاً ـ بأسرع مما تمت به محاكمة خلية الدندني، بينما استغرق القبض على خالد شيخ محمد أضعاف الوقت الذي استغرقه القبض على خلية الدندني. وهو ما يشير إلى أن الإجراءات الأمنية كانت حاضرة ويقظة منذ البداية، بينما ظلت الإجراءات ذات الطابع الفكري والشرعي مترددة وبطيئة للغاية، ويكفينا أن ندرك أن من أبرز التهم الموجهة الآن للإرهابيين هي تمويل الخلايا الإرهابية، بينما لم تصدر فتوى شرعية من هيئة كبار العلماء بتجريم تمويل الإرهاب إلا منذ عام واحد فقط. كانت الفتوى مؤشراً إيجابيا ومهماً للغاية، إلا أن كثيرا من المؤشرات تشير بشكل أو بآخر إلى أن ثمة فرقاً شاسعاً كان بين العمل الميداني الأمني والعمل الفكري والنظري المنهجي الذي من شأنه أن يوجد أرضية شرعية تواكب العمل الأمني والوطني للدولة. هذه المفارقة تشير إلى أننا بحاجة إلى فقه ورؤى شرعية تخدم رؤية وتطلع الأمن والاستقرار في الدولة، وبإمكاننا أن نقرأ واحدة من التهم الموجهة إلى المتهم الرابع عشر في خلية تركي الدندني، وسوف نجد منها التهمة التالية: الترصد لاغتيال مفكر سعودي. ترى ما الذي جعلهم يخططون لاغتياله سوى أنه يحمل صوتا ورؤية وطنية تحمل ذات الفداء الذي جعلهم يخططون لاغتيال الضباط ورجال الأمن، وبالتأكيد طالما حظي هذا المفكر بمواقف حادة وعدائية من بعض مدعي الاعتدال، مدعي الانتصار للدولة، واسألوا ساحات الإنترنت. في ذات الوقت الذي تتجه فيه الدولة للإيمان بأن ثمة إرهابيين على المستوى النظري يجب القبض عليهم، يتجه الإرهابيون إلى أن ثمة مناصرين لمشروع الدولة يحملون أفكاراً تحتاج للقتل والقضاء عليهم. في النهاية سوف تنتصر الدولة والحق والعدل، لكن الشرط الفعلي هو أنه يجب أن يتم هذا الانتصار مبكراً.